جديد المواضيع اخر عشرة مواضيع :         احبس عضو في غرفة مليانة فئران عند الرقم 5 (اخر مشاركة : ذات الرداء الاحمر - عددالردود : 408 - عددالزوار : 4907 )           »          من 1 إلى 7 واكسر أصابع إلي تبغى بمطرقة (اخر مشاركة : وجدان - عددالردود : 304 - عددالزوار : 1470 )           »          1..5 و الي يقول 5 يرمي بطيخة على احد الاعضاء (اخر مشاركة : حنانى - عددالردود : 443 - عددالزوار : 5267 )           »          الي يوصل لرقم8 يحكم على أي عضو بالأعدام (اخر مشاركة : مانوش - عددالردود : 494 - عددالزوار : 5483 )           »          اللي يوصل 5 يكون أطيب عضو بالمنتدى... (اخر مشاركة : بوجي وطمطم - عددالردود : 484 - عددالزوار : 5755 )           »          عد من 1 الى 5 واختار عضو يغسل سياره مغبره (اخر مشاركة : بهارتي - عددالردود : 189 - عددالزوار : 702 )           »          اللي يوصل للرقم 7 هو شمعة المنتدي (اخر مشاركة : وجدان - عددالردود : 38 - عددالزوار : 204 )           »          اللي يوصل 3 أثرم و5 مزيون و8 أحول و9 جذاااب (اخر مشاركة : ذات الرداء الاحمر - عددالردود : 213 - عددالزوار : 1101 )           »          ارمي البيضة على راس اي عضو (اخر مشاركة : وجدان - عددالردود : 397 - عددالزوار : 2477 )           »          أطعن عضو بخنجر عند الرقم 6 (اخر مشاركة : خلود - عددالردود : 413 - عددالزوار : 3348 )           »         





عرب شيرنج

انت الآن تتصفح منتديات كورابيكا

منتدى الصحة والأطباء منتدى متخصص بـ الطب و الصحة و يشمل الطبل البديل و الطب النبوي و الشعبي و النفسي و البشري و الاعشاب و العربي و يهتم بالصحة البشرية و نصائح و اخبار الطب و الصحة و اعطاء النصائح للامراض و طرق العلاج والوقاية منها

مركز رفع الصور والملفات
همسات كورابيكا


إضافة رد
 
أدوات الموضوع
#1  
قديم 2008-02-09, 04:49 PM
منصور المغربي
:: عضو فعال ::
منصور المغربي غير متواجد حالياً
SMS ~
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
لوني المفضل #00378f
 رقم العضوية : 35
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 المشاركات : 18 [ + ]
 التقييم : 10
 معدل التقييم : منصور المغربي is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي فتح الباري شرح صحيح البخاري كِتَاب الطب _ 1 _




بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فتح الباري شرح صحيح البخاري
كِتَاب الطب _ 1 _



باب مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً
باب هَلْ يُدَاوِي الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ أَوْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ.
باب الشِّفَاءُ فِي ثَلاثٍ..
باب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ..
باب الدَّوَاءِ بِأَلْبَانِ الْإِبِلِ.
باب مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً
الشرح:
قوله: (باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء) كذا للإسماعيلي وابن بطال ومن تبعه، ولم أر لفظ " باب " من نسخ الصحيح إلا للنسفي.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيُّ حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً
الشرح:
قوله (أبو أحمد الزبيري) هو محمد بن عبد الله بن الزبير الأسدي، نسب لجده وهو أسد من بني أسد بن خزيمة، فقد يلتبس بمن ينسب إلى الزبير بن العوام لكونهم من بني أسد بن عبد العزى، وهذا من فنون علم الحديث وصنفوا فيه الأنساب المتفقة في اللفظ المفترقة في الشخص.
وقد وقع عند أبي نعيم في الطب من طريق أبي بكر وعثمان بن أبي شيبة " قالا حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي أبو أحمد الزبيري " وعند الإسماعيلي من طريق هارون بن عبد الله الحمال " حدثنا محمد بن عبد الله الزبيري".
قوله: (عن أبي هريرة) كذا قال عمر بن سعيد عن عطاء، وخالفه شبيب بن بشر فقال " عن عطاء عن أبي سعيد الخدري " أخرجه الحاكم وأبو نعيم في الطب ورواه طلحة بن عمرو عن عطاء عن ابن عباس، هذه رواية عبد بن حميد عن محمد بن عبيد عنه.
وقال معتمر بن سليمان " عن طلحة بن عمرو عن عطاء عن أبي هريرة " أخرجه ابن عاصم في الطب وأبو نعيم، وهذا مما يترجح به رواية عمر بن سعيد.
قوله: (ما أنزل الله داء) وقع في رواية الإسماعيلي " من داء " و " من " زائدة، ويحتمل أن يكون مفعول " أنزل " محذوفا فلا تكون من زائدة بل لبيان المحذوف، ولا يخفى تكلفه.
قوله: (إلا أنزل له شفاء) في رواية طلحة بن عمرو من الزيادة في أول الحديث " يا أيها الناس تداووا " ووقع في رواية طارق بن شهاب عن ابن مسعود رفعه " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا " وأخرجه النسائي وصححه ابن حبان والحاكم، ونحوه للطحاوي وأبي نعيم من حديث ابن عباس، ولأحمد عن أنس " إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء، فتداووا " وفي حديث أسامة بن شريك " تداووا يا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، إلا داء واحدا الهرم " أخرجه أحمد والبخاري في " الأدب المفرد " والأربعة وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وفي لفظ " إلا السام " بمهملة مخففة يعني الموت.
ووقع في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود نحو حديث الباب في آخره " علمه من علمه وجهله من جهله " أخرجه النسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم.
ولمسلم عن جابر رفعه " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله تعالى " ولأبي داود من حديث أبي الدرداء رفعه " إن الله جعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تداووا بحرام " وفي مجموع هذه الألفاظ ما يعرف منه المراد بالإنزال في حديث الباب وهو إنزال علم ذلك على لسان الملك للنبي صلى الله عليه وسلم مثلا، أو عبر بالإنزال عن التقدير.
وفيها التقييد بالحلال فلا يجوز التداوي بالحرام.
وفي حديث جابر منها الإشارة إلى أن الشفاء متوقف على الإصابة بإذن الله، وذلك أن الدواء قد يحصل معه مجاوزة الحد في الكيفية أو الكمية فلا ينجع، بل ربما أحدث داء آخر.
وفي حديث ابن مسعود الإشارة إلى أن بعض الأدوية لا يعلمها كل أحد، وفيها كلها إثبات الأسباب، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها، وأن الدواء قد ينقلب داء إذا قدر الله ذلك، وإليه الإشارة بقوله في حديث جابر " بإذن الله " فمدار ذلك كله على تقدير الله وإرادته.
والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب، وكذلك تجنب المهلكات والدعاء بطلب العافية ودفع المضار وغير ذلك، وسيأتي مزيد لهذا البحث في " باب الرقية " إن شاء الله تعالى.
ويدخل في عمومها أيضا الداء القاتل الذي اعترف حذاق الأطباء بأن لا دواء له، وأقروا بالعجز عن مداواته، ولعل الإشارة في حديث ابن مسعود بقوله " وجهله من جهله " إلى ذلك فتكون باقية على عمومها، ويحتمل أن يكون في الخبر حذف تقديره: لم ينزل داء يقبل الدواء إلا أنزل له شفاء، والأول أولى.
ومما يدخل في قوله " جهله من جهله " ما يقع لبعض المرضى أنه يتداوى من داء بدواء فيبرأ ثم يعتريه ذلك الداء بعينه فيتداوى بذلك الدواء بعينه فلا ينجع، والسبب في ذلك الجهل بصفة من صفات الدواء فرب مرضين تشابها ويكون أحدهما مركبا لا ينجع فيه ما ينجع في الذي ليس مركبا فيقع الخطأ من هنا، وقد يكون متحدا لكن يريد الله أن لا ينجع فلا ينجع ومن هنا تخضع رقاب الأطباء، وقد أخرج ابن ماجه من طريق أبي خزامة وهو بمعجمة وزاي خفيفة " عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به هل يرد من قدر الله شيئا؟ قال: هي من قدر الله تعالى " والحاصل أن حصول الشفاء بالدواء إنما هو كدفع الجوع بالأكل والعطش بالشرب، وهو ينجع في ذلك في الغالب، وقد يتخلف لمانع والله أعلم.
ثم الداء والدواء كلاهما بفتح الدال وبالمد، وحكي كسر دال الدواء.
واستثناء الموت في حديث أسامة بن شريك واضح، ولعل التقدير إلا داء الموت، أي المرض الذي قدر على صاحبه الموت.
واستثناء الهرم في الرواية الأخرى إما لأنه جعله شبيها بالموت والجامع بينهما نقص الصحة، أو لقربه من الموت وإفضائه إليه.
ويحتمل أن يكون الاستثناء منقطعا والتقدير: لكن الهرم لا دواء له، والله أعلم.
باب هَلْ يُدَاوِي الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ أَوْ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ
الشرح:
قوله: (باب هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل) ذكر فيه حديث الربيع بالتشديد " كنا نغزو ونسقي القوم ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة " وليس في هذا السياق تعرض للمداواة، إلا إن كان يدخل في عموم قولها " نخدمهم " نعم ورد الحديث المذكور بلفظ " ونداوي الجرحى ونرد القتلى " وقد تقدم كذلك في " باب مداواة النساء الجرحى في الغزو " من كتاب الجهاد، فجرى البخاري على عادته في الإشارة إلى ما ورد في بعض ألفاظ الحديث، ويؤخذ حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس.
وإنما لم يجزم بالحكم لاحتمال أن يكون ذلك قبل الحجاب، أو كانت المرأة تصنع ذلك بمن يكون زوجا لها أو محرما.
وأما حكم المسألة فتجور مداواة الأجانب عند الضرورة وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك، وقد تقدم البحث في شيء من ذلك في كتاب الجهاد.
باب الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ
الشرح:
قوله: (باب الشفاء في ثلاث) سقطت الترجمة للنسفي، ولفظ " باب " للسرخسي.
الحديث:
حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ حَدَّثَنَا سَالِمٌ الْأَفْطَسُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ شَرْبَةِ عَسَلٍ وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ وَكَيَّةِ نَارٍ وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنْ الْكَيِّ رَفَعَ الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ الْقُمِّيُّ عَنْ لَيْثٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْعَسَلِ وَالْحَجْمِ
الشرح:
قوله: (حدثني الحسين) كذا لهم غير منسوب، وجزم جماعة بأنه ابن محمد بن زياد النيسابوري المعروف بالقباني، قال الكلاباذي: كان يلازم البخاري لما كان بنيسابور وكان عنده مسند أحمد بن منيع سمعه منه يعني شيخه في هذا الحديث، وقد ذكر الحاكم في تاريخه من طريق الحسين المذكور أنه روى حديثا فقال: كتب عني محمد بن إسماعيل هذا الحديث.
ورأيت في كتاب بعض الطلبة قد سمعه منه عني ا ه.
وقد عاش الحسين القباني بعد البخاري ثلاثا وثلاثين سنة وكان من أقران مسلم، فرواية البخاري عنه من رواية الأكابر عن الأصاغر.
وأحمد بن منيع شيخ الحسين فيه من الطبقة الوسطى من شيوخ البخاري، فلو رواه عنه بلا واسطة لم يكن عاليا له.
وكانت وفاة أحمد بن منيع - وكنيته أبو جعفر - سنة أربع وأربعين ومائتين وله أربع وثمانون سنة، واسم جده عبد الرحمن وهو جد أبي القاسم البغوي لأمه، ولذلك يقال له المنيعي وابن بنت منيع، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث، وجزم الحاكم بأن الحسين المذكور هو ابن يحيى بن جعفر البيكندي وقد أكثر البخاري الرواية عن أبيه يحيى بن جعفر وهو من صغار شيوخه، والحسين أصغر من البخاري بكثير، وليس في البخاري عن الحسين سواء كان القباني أو البيكندي سوى هذا الحديث.
وقول البخاري بعد ذلك " حدثنا محمد بن عبد الرحيم " هو المعروف بصاعقة يكني أبا يحيى وكان من كبار الحفاظ وهو من أصاغر شيوخ البخاري ومات قبل البخاري بسنة واحدة وسريج بن يونس شيخه بمهملة ثم جيم من طبقة أحمد بن منيع ومات قبله بعشر سنين، وشيخهما مروان بن شجاع هو الحراني أبو عمرو، وأبو عبد الله مولى محمد بن مروان بن الحكم نزل بغداد وقواه أحمد بن حنبل وغيره.
وقال أبو حاتم الرازي: يكتب حديثه وليس بالقوي، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في الشهادات، ولم يتفق وقوع هذا الحديث للبخاري عاليا، فإنه قد سمع من أصحاب مروان بن شجاع هذا ولم يقع له هذا الحديث عنه إلا بواسطتين، وشيخه سالم الأفطس هو ابن عجلان وما له في البخاري سوى الحديثين المذكورين من رواية مروان بن شجاع عنه.
قوله: (حدثني سالم الأفطس) وفي الرواية الثانية عن سالم وقع عند الإسماعيلي " عن المنيعي حدثنا جدي هو أحمد بن منيع حدثنا مروان بن شجاع قال ما أحفظه إلا عن سالم الأفطس حدثني " فذكره، قال الإسماعيلي: صار الحديث عن مروان بن شجاع بالشك منه فيمن حدثه به.
قلت: وكذا أخرجه أحمد بن حنبل عن مروان بن شجاع سواء، وأخرجه ابن ماجه عن أحمد بن منيع مثل رواية البخاري الأولى بغير شك، وكذا أخرجه الإسماعيلي أيضا عن القاسم بن زكريا عن أحمد بن منيع، وكذا رويناه في " فوائد أبي طاهر المخلص " حدثنا محمد بن يحيى بن صاعد حدثنا أحمد بن منيع.
قوله: (عن سعيد بن جبير) وقع في " مسند دعلج " من طريق محمد بن الصباح " حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس أظنه عن سعيد بن جبير " كذا بالشك أيضا، وكان ينبغي للإسماعيلي أن يعترض بهذا أيضا، والحق أنه لا أثر للشك المذكور، والحديث متصل بلا ريب.
قوله: (عن ابن عباس قال: الشفاء في ثلاث) كذا أورده موقوفا، لكن آخره يشعر بأنه مرفوع لقوله " وأنهى أمتي عن الكي " وقوله " رفع الحديث " وقد صرح برفعه في رواية سريج بن يونس حيث قال فيه " عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " ولعل هذا هو السر في إيراد هذه الطريق أيضا مع نزولها، وإنما لم يكتف بها عن الأولى للتصريح في الأولى بقول مروان " حدثني سالم " ووقعت في الثانية بالعنعنة.
قوله: (رواه القمي) بضم القاف وتشديد الميم هو يعقوب بن عبد الله بن سعد بن مالك بن هانئ بن عامر بن أبي عامر الأشعري، لجده أبي عامر صحبة وكنية يعقوب أبو الحسن وهو من أهل قم ونزل الري، قواه النسائي وقال الدار قطني ليس بالقوي، وما له في البخاري سوى هذا الموضع.
وليث شيخه هو ابن سليم الكوفي سيئ الحفظ.
وقد وقع لنا هذا الحديث من رواية القمي موصولا في " مسند البزار " وفي " الغيلانيات " في " جزء ابن بخيت " كلهم من رواية عبد العزيز بن الخطاب عنه بهذا السند، وقصر بعض الشراح فنسبه إلى تخريج أبي نعيم في الطب، والذي عند أبي نعيم بهذا السند حديث آخر في الحجامة لفظه " احتجموا لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم".
قوله: (في العسل والحجم) في رواية الكشميهني " والحجامة " ووقع في رواية عبد العزيز بن الخطاب المذكورة " إن كان في شيء من أدويتكم شفاء ففي مصة من الحجام، أو مصة من العسل " وإلى هذا أشار البخاري بقوله " في العسل والحجم " وأشار بذلك إلى أن الكي لم يقع في هذه الرواية.
وأغرب الحميدي في " الجمع " فقال في أفراد البخاري: الحديث الخامس عشر عن طاوس عن ابن عباس من رواية مجاهد عنه، قال: وبعض الرواة يقول فيه عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم " في العسل والحجم الشفاء " وهذا الذي عزاه للبخاري لم أره فيه أصلا، بل ولا في غيره، والحديث الذي اختلف الرواة فيه هل هو عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس أو عن مجاهد عن ابن عباس بلا واسطة إنما هو في القبرين اللذين كانا يعذبان، وقد تقم التنبيه عليه في كتاب الطهارة، وأما حديث الباب فلم أره من رواية طاوس أصلا، وأما مجاهد فلم يذكره البخاري عنه إلا تعليقا كما بينته، وقد ذكرت من وصله، وسياق لفظه: قال الخطابي انتظم هذا الحديث على جملة ما يتداوى به الناس، وذلك أن الحجم يستفرغ الدم وهو أعظم الأخلاط، والحجم أنجحها شفاء عند هيجان الدم، وأما العسل فهو مسهل للأخلاط البلغمية، ويدخل في المعجونات ليحفظ على تلك الأدوية قواها ويخرجها من البدن، وأما الكي فإنما يستعمل في الخلط الباغي الذي لا تنحسم مادته إلا به، ولهذا وصفه النبي صلى الله عليه وسلم ثم نهى عنه، وإنما كرهه لما فيه من الألم الشديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها " آخر الدواء الكي"، وقد كوى النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وغيره، واكتوى غير واحد من الصحابة.
قلت: ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم الحصر في الثلاثة، فإن الشفاء قد يكون في غيرها، وإنما نبه بها على أصول العلاج، وذلك أن الأمراض الامتلائية تكون دموية وصفراوية وبلغمية وسوداوية، وشفاء الدموية بإخراج الدم، وإنما خص الحجم بالذكر لكثرة استعمال العرب والفهم له، بخلاف الفصد فإنه وإن كان في معنى الحجم لكنه لم يكن معهودا لها غالبا.
على أن في التعبير بقوله " شرطة محجم " ما قد يتناول الفصد، وأيضا فالحجم في البلاد الحارة أنجح من الفصد، والفصد في البلاد التي ليست بحارة أنجح من الحجم.
وأما الامتلاء الصفراوي وما ذكر معه فدواؤه بالمسهل، وقد نبه عليه بذكر العسل، وسيأتي توجيه ذلك في الباب الذي بعده.
وأما الكي فإنه يقع آخرا لإخراج ما يتعسر إخراجه من الفضلات؛ وإنما نهى عنه مع إثباته الشفاء فيه إما لكونهم كانوا يرون أنه يحسم المادة بطبعه فكرهه لذلك، ولذلك كانوا يبادرون إليه قبل حصول الداء لظنهم أنه يحسم الداء فتعجل الذي يكتوي التعذيب بالنار لأمر مظنون، وقد لا يتفق أن يقع له ذلك المرض الذي يقطعه الكي.
ويؤخذ من الجمع بين كراهته صلى الله عليه وسلم للكي وبين استعماله له أنه لا يترك مطلقا ولا يستعمل مطلقا، بل يستعمل عند تعينه طريقا إلى الشفاء مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى، وعلى هذا التفسير يحمل حديث المغيرة رفعه " من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل " أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: علم من مجموع كلامه في الكي أن فيه نفعا وأن فيه مضرة، فلما نهى عنه علم أن جانب المضرة فيه أغلب، وقريب منه إخبار الله تعالى أن في الخمر منافع ثم حرمها لأن المضار التي فيها أعظم من المنافع.
انتهى ملخصا.
وسيأتي الكلام على كل من هذه الأمور الثلاثة في أبواب مفرده لها.
وقد قيل إن المراد بالشفاء في هذا الحديث الشفاء من أحد قسمي المرض، لأن الأمراض كلها إما مادية أو غيرها؛ والمادية كما تقدم حارة وباردة، وكل منهما وإن انقسم إلى رطبة ويابسة ومركبة فالأصل الحرارة والبرودة وما عداهما ينفعل من إحداهما، فنبه بالخبر على أصل المعالجة بضرب من المثال، فالحارة تعالج بإخراج الدم لما فيه من استفراغ المادة وتبريد المزاج، والباردة بتناول العسل لما فيه من التسخين والإنضاج والتقطيع والتلطيف والجلاء والتليين، فيحصل بذلك استفراغ المادة برفق، وأما الكي فخاص بالمرض المزمن لأنه يكون عن مادة باردة فقد تفسد مزاج العضو فإذا كوي خرجت منه، وأما الأمراض التي ليست بمادية فقد أشير إلى علاجها بحديث " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء " وسيأتي الكلام عليه عند شرحه إن شاء الله تعالى.
وأما قوله " وما أحب أن أكتوي " فهو من *** تركه أكل الضب مع تقريره أكله على مائدته واعتذاره بأنه يعافه.
باب الدَّوَاءِ بِالْعَسَلِ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ
الشرح:
قوله: (باب الدواء بالعسل، وقول الله تعالى: فيه شفاء للناس) كأنه أشار بذكر الآية إلى أن الضمير فيها للعسل وهو قول الجمهور، وزعم بعض أهل التفسير أنه للقرآن.
وذكر ابن بطال أن بعضهم قال: إن قوله تعالى (فيه شفاء للناس) أي لبعضهم، وحمله على ذلك أن تناول العسل قد يضر ببعض الناس كمن يكون حار المزاج، لكن لا يحتاج إلى ذلك لأنه ليس في حمله على العموم ما يمنع أنه قد يضر الأبدان بطريق العرض.
والعسل يذكر ويؤنث، وأسماؤه تزيد على المائة، وفيه من المنافع ما لخصه الموفق البغدادي وغيره فقالوا: يجلو الأوساخ التي في العروق والأمعاء، ويدفع الفضلات، ويغسل خمل المعدة، ويسخنها تسخينا معتدلا، ويفتح أفواه العروق ويشد المعدة والكبد والكلى والمثانة والمنافذ، وفيه تحليل للرطوبات أكلا وطلاء وتغذية، وفيه حفظ المعجونات وإذهاب لكيفية الأدوية المستكرهة، وتنقية الكبد والصدر، وإدرار البول والطمث، ونفع للسعال الكائن من البلغم، ونفع لأصحاب البلغم والأمزجة الباردة.
وإذا أضيف إليه الخل نقع أصحاب الصفراء.
ثم هو غذاء من الأغذية، ودواء من الأدوية، وشراب من الأشربة، وحلوى من الحلاوات، وطلاء من الأطلية، ومفرح من المفرحات.
ومن منافعه أنه إذا شرب حارا بدهن الورد نفع من نهش الحيوان، وإذا شرب وحده بماء نفع من عضة الكلب الكلب، وإذا جعل فيه اللحم الطري حفظ طراوته ثلاثة أشهر، وكذلك الخيار والقرع والباذنجان والليمون ونحو ذلك من الفواكه، وإذا لطخ به البدن للقمل قتل القمل والصئبان، وطول الشعر وحسنه ونعمه، وإن اكتحل به جلا ظلمة البصر، وإن استن به صقل الأسنان وحفظ صحتها.
وهو عجيب في حفظ جثث الموتى فلا يسرع إليها البلى، وهو مع ذلك مأمون الغائلة قليل المضرة، ولم يكن يعول قدماء الأطباء في الأدوية المركبة إلا عليه، ولا ذكر للسكر في أكثر كتبهم أصلا.
وقد أخرج أبو نعيم في " الطب النبوي " بسند ضعيف من حديث أبي هريرة رفعه وابن ماجه بسند ضعيف من حديث جابر رفعه " من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم بلاء " والله أعلم.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَالْعَسَلُ
الشرح:
حديث عائشة " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الحلواء والعسل " قال الكرماني: الإعجاب أعم من أن يكون على سبيل الدواء أو الغذاء.
فتؤخذ المناسبة بهذه الطريق، وقد تقدم باقي الكلام عليه في كتاب الأطعمة.
الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْغَسِيلِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ أَوْ يَكُونُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ تُوَافِقُ الدَّاءَ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ
الشرح:
قوله: (عبد الرحمن ابن الغسيل) اسم الغسيل حنظلة بن أبي عامر الأوسي الأنصاري، استشهد بأحد وهو جنب فغسلته الملائكة فقيل له الغسيل، وهو فعيل بمعنى مفعول، وهو جد جد عبد الرحمن، فهو ابن سليمان بن عبد الرحمن بن عبد الله بن حنظلة، وعبد الرحمن معدود في صغار التابعين لأنه رأى أنسا وسهل بن سعد، وجل روايته عن التابعين، وهو ثقة عند الأكثر واختلف فيه قول النسائي.
وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرا ا ه.
وكان قد عمر فجاز المائة فلعله تغير حفظه في الآخر وقد احتج به الشيخان، وشيخه عاصم بن عمر بن قتادة أي ابن النعمان الأنصاري الأوسي يكنى أبا عمر ما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في " باب من بنى مسجدا " في أوائل الصلاة، وهو تابعي ثقة عندهم، وأغرب عبد الحق فقال في " الأحكام ": وثقة ابن معين وأبو زرعة وضعفه غيرهما.
ورد ذلك أبو الحسن بن القطان على عبد الحق فقال: لا أعرف أحدا ضعفه ولا ذكره في الضعفاء ا ه.
وهو كما قال.
قوله: (إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم) كذا وقع بالشك، وكذا لأحمد عن أبي أحمد الزبيري عن ابن الغسيل، وسيأتي بعد أبواب باللفظ الأول بغير شك، وكذا لمسلم، وذكرت فيه في " باب الحجامة من الداء " قصة، وقوله "أو يكون " قال ابن التين صوابه " أو يكن " لأنه معطوف على مجزوم فيكون مجزوما.
قلت: وقد وقع في رواية أحمد " إن كان أو إن يكن " فلعل الراوي أشبع الضمة فظن السامع أن فيها واوا فأثبتها، ويحتمل أن يكون التقدير: إن كان في شيء أو إن كان يكون في شيء، فيكون التردد لإثبات لفظ يكون وعدمها، وقرأها بعضهم بتشديد الواو وسكون النون، وليس ذلك بمحفوظ.
قوله: (ففي شرطة محجم) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم.
قوله: (أو لذعة بنار) بذال معجمة ساكنة وعين مهملة، اللذع هو الخفيف من حرق النار.
وأما اللدغ بالدال المهملة والغين المعجمة فهو ضرب أو عض ذات السم.
قوله: (توافق الداء) فيه إشارة إلى أن الكي إنما يشرع منه ما يتعين طريقا إلى إزالة ذلك الداء، وأنه لا ينبغي التجربة لذلك ولا استعماله إلا بعد التحقق، ويحتمل أن يكون المراد بالموافقة موافقة القدر.
قوله: (وما أحب أن أكتوي) سيأتي بيانه بعد أبواب.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَى الثَّانِيَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلاً ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ قَدْ فَعَلْتُ فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ اسْقِهِ عَسَلاً فَسَقَاهُ فَبَرَأَ
الشرح:
حديث أبي سعيد في الذي اشتكى بطنه فأمر بشرب العسل، وسيأتي شرحه في " باب دواء المبطون".
وشيخه عباس فيه هو بالموحدة ثم مهملة النرسي بنون ومهملة، وعبد الأعلى شيخه هو ابن عبد الأعلى، وسعيد هو ابن أبي عروبة، والإسناد كله بصريون.
باب الدَّوَاءِ بِأَلْبَانِ الْإِبِلِ
الشرح:
قوله: (باب الدواء بألبان الإبل) أي في المرض الملائم له.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا سَلَّامُ بْنُ مِسْكِينٍ حَدَّثَنَا ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ نَاساً كَانَ بِهِمْ سَقَمٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آوِنَا وَأَطْعِمْنَا فَلَمَّا صَحُّوا قَالُوا إِنَّ الْمَدِينَةَ وَخِمَةٌ فَأَنْزَلَهُمْ الْحَرَّةَ فِي ذَوْدٍ لَهُ فَقَالَ اشْرَبُوا أَلْبَانَهَا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا ذَوْدَهُ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ يَكْدِمُ الْأَرْضَ بِلِسَانِهِ حَتَّى يَمُوتَ قَالَ سَلَّامٌ فَبَلَغَنِي أَنَّ الْحَجَّاجَ قَالَ لِأَنَسٍ حَدِّثْنِي بِأَشَدِّ عُقُوبَةٍ عَاقَبَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَدَّثَهُ بِهَذَا فَبَلَغَ الْحَسَنَ فَقَالَ وَدِدْتُ أَنَّهُ لَمْ يُحَدِّثْهُ بِهَذَا
الشرح:
قوله: (سلام بن مسكين) هو الأزدي، وهو بالتشديد، وما له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر سيأتي في كتاب الأدب.
ووقع في اللباس عن موسى بن إسماعيل " حدثنا سلام عن عثمان بن عبد الله " فزعم الكلاباذي أنه سلام بن مسكين، وليس كذلك بل هو سلام بن أبي مطيع، وسأذكر الحجة لذلك هناك إن شاء الله تعالى.
قوله: (حدثنا ثابت) هو البناني، ووقع للإسماعيلي من رواية بهز بن أسد " عن سلام بن مسكين قال حدث ثابت الحسن وأصحابه وأنا شاهد منهم " فيؤخذ من ذلك أنه لا يشترط في قول الراوي حدثنا فلان أن يكون فلان قد قصد إليه بالتحديث، بل إن سمع منه اتفاقا جاز أن يقول حدثنا فلان، ورجال هذا الإسناد أيضا كلهم بصريون.
قوله: (أن ناسا) زاد بهز في روايته " من أهل الحجاز " وقد تقدم في الطهارة أنهم من عكل أو عرينة بالشك، وثبت أنهم كانوا ثمانية وأن أربعة منهم كانوا من عكل وثلاثة من عرينة والرابع كان تبعا لهم.
قوله: (كان بهم سقم فقالوا: يا رسول الله آونا وأطعمنا، فلما صحوا) في السياق حذف تقديره فآواهم وأطعمهم، فلما صحوا قالوا إن المدينة وخمة، وكان السقم الذي بهم أولا من الجوع أو من التعب فلما زال ذلك عنهم خشوا من وخم المدينة إما لكونهم أهل ريف فلم يعتادوا بالحضر، وإما بسبب ما كان بالمدينة من الحمى، وهذا هو المراد بقوله في الرواية التي بعدها " اجتووا المدينة " وتقدم تفسير الجوى في كتاب الطهارة.
ووقع في رواية بهز بن أسد " بهم ضر وجهد " وهو يشير إلى ما قلناه.
قوله: (في ذود له) ذكر ابن سعد أن عدد الذود كان خمس عشرة.
وفي رواية بهز بن أسد: أن الذود كان مع الراعي بجانب الحرة.
قوله: (فقال اشربوا ألبانها) كذا هنا، وتقدم من رواية أبي قلابة وغيره عن أنس " من ألبانها وأبوالها".
قوله: (فلما صحوا) في السياق حذف تقديره: فخرجوا فشربوا فلما صحوا.
قوله: (وسمر أعينهم) كذا للأكثر، وللكشميهني باللام بدل الراء، وقد تقدم شرحها.
قوله: (فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت) زاد بهز في روايته " مما يجد من الغم والوجع " وفي صحيح أبي عوانة هنا يعض الأرض ليجد بردها مما يجد من الحر والشدة".
قوله: (قال سلام) هو موصول بالسند المذكور، وقوله "فبلغني أن الحجاج " هو ابن يوسف الأمير المشهور.
وفي رواية أنس " فذكر ذلك قوم للحجاج فبعث إلى أنس فقال: هذا خاتمي فليكن بيدك - أي يصير خازنا له - فقال أنس: إني أعجز عن ذلك.
قال فحدثني بأشد عقوبة " الحديث.
قوله: (بأشد عقوبة عاقبه النبي صلى الله عليه وسلم) كذا بالتذكير على إرادة العقاب.
وفي رواية بهز " عاقبها " على ظاهر اللفظ.
قوله: (فبلغ الحسن) هو ابن أبي الحسن البصري (فقال: وددت أنه لم يحدثه) زاد الكشميهني " بهذا " وفي رواية بهز " فوالله ما انتهى الحجاج حتى قام بها على المنبر فقال: حدثنا أنس " فذكره وقال " قطع النبي صلى الله عليه وسلم الأيدي والأرجل وسمل الأعين في معصية الله، أفلا نفعل نحن ذلك في معصية الله "؟ وساق الإسماعيلي من وجه آخر عن ثابت " حدثني أنس قال: ما ندمت على شيء ما ندمت على حديث حدثت به الحجاج " فذكره، وإنما ندم أنس على ذلك لأن الحجاج كان مسرفا في العقوبة، وكان يتعلق بأدنى شبهة.
ولا حجة له في قصة العرنيين لأنه وقع التصريح في بعض طرقه أنهم ارتدوا، وكان ذلك أيضا قبل أن تنزل الحدود كما في الذي بعده، وقبل النهي عن المثلة كما تقدم في المغازي، وقد حضر أبو هريرة الأمر بالتعذيب بالنار ثم حضر نسخه والنهي عن التعذيب بالنار كما مر في كتاب الجهاد، وكان إسلام أبي هريرة متأخرا عن قصة العرنيين، وقد تقدم بسط القول في ذلك في " باب الإبل والدواب " في كتاب الطهارة، وإنما أشرت إلى اليسير منه لبعد العهد به.
باب الدَّوَاءِ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ
الشرح:
قوله: (باب الدواء بأبوال الإبل) ذكر فيه حديث العرنيين، ووقع في خصوص التداوي بأبوال الإبل حديث أخرجه ابن المنذر عن ابن عباس رفعه " عليكم بأبوال الإبل فإنها نافعة للذربة بطونهم " والذربة بفتح المعجمة وكسر الراء جمع ذرب، والذرب بفتحتين فساد المعدة.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاساً اجْتَوَوْا فِي الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ يَعْنِي الْإِبِلَ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَانُهُمْ فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ فَجِيءَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ قَالَ قَتَادَةُ فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ
الشرح:
قوله: (أن ناسا اجتووا في المدينة) كذا هنا بإثبات " في " وهي ظرفية أي حصل لهم الجوى وهم في المدينة، ووقع في رواية أبي قلابة عن أنس " اجتووا المدينة".
قوله: (أن يلحقوا براعيه يعني الإبل) كذا في الأصل.
وفي رواية مسلم من هذا الوجه أن يلحقوا براعي الإبل".
قوله: (حتى صلحت) في رواية الكشميهني " صحت".
قوله: (قال قتادة) هو موصول بالإسناد المذكور، وقوله "فحدثني محمد بن سيرين الخ " يعكر عليه ما أخرجه مسلم من طريق سليمان التيمي عن أنس قال " إنما سملهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم سملوا أعين الرعاة " وسيأتي بيان ذلك واضحا في كتاب الديات إن شاء الله تعالى


tjp hgfhvd avp wpdp hgfohvd ;AjQhf hg'f _ 1





رد مع اقتباس
#2  
قديم 2008-02-09, 04:56 PM
منصور المغربي
:: عضو فعال ::
منصور المغربي غير متواجد حالياً
SMS ~
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
لوني المفضل #00378f
 رقم العضوية : 35
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 المشاركات : 18 [ + ]
 التقييم : 10
 معدل التقييم : منصور المغربي is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي تابع كِتَاب الطب 2



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فتح الباري شرح صحيح البخاري
كِتَاب الطب 2


باب الحبة السوداء
باب التَّلْبِينَةِ لِلْمَرِيضِ
باب السَّعُوطِ
باب السَّعُوطِ بِالْقُسْطِ الْهِنْدِيِّ وَالْبَحْرِيِّ
باب الْحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِحْرَامِ
باب الْحِجَامَةِ مِنْ الدَّاءِ
باب الْحِجَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ
باب الْحِجَامَةِ مِنْ الشَّقِيقَةِ وَالصُّدَاعِ
باب الْحَلْقِ مِنْ الْأَذَى
قوله: (باب الحلق من الأذى) أي حلق شعر الرأس وغيره.

باب الحبة السوداء
الشرح :
قوله: (باب الحبة السوداء) سيأتي بيان المراد بها في آخر الباب.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ خَرَجْنَا وَمَعَنَا غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ فَمَرِضَ فِي الطَّرِيقِ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَعَادَهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ فَقَالَ لَنَا عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحُبَيْبَةِ السَّوْدَاءِ فَخُذُوا مِنْهَا خَمْساً أَوْ سَبْعاً فَاسْحَقُوهَا ثُمَّ اقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِي هَذَا الْجَانِبِ وَفِي هَذَا الْجَانِبِ فَإِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْنِي أَنَّهَا سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا مِنْ السَّامِ قُلْتُ وَمَا السَّامُ قَالَ الْمَوْتُ
الشرح:
قوله: (حدثني عبد الله بن أبي شيبة) كذا سماه ونسبه لجده وهو أبو بكر، مشهور بكنيته أكثر من اسمه " وأبو شيبة جده، وهو ابن محمد بن إبراهيم، وكان إبراهيم أبو شيبة قاضي واسط.
قوله: (حدثنا عبيد الله) بالتصغير كذا للجميع غير منسوب، وكذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبيد الله غير منسوب، وجزم أبو نعيم في " المستخرج " بأنه عبيد الله بن موسى، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي بكر الأعين والخطيب في كتاب " رواية الآباء عن الأبناء " من طريق أبي مسعود الرازي، وهو عندنا بعلو من طريقه، وأخرجه أيضا أحمد بن حازم عن أبي غرزة - بفتح المعجمة والراء والزاي - في مسنده، ومن طريقه الخطيب أيضا كلهم عن عبيد الله بن موسى، وهو الكوفي المشهور، ورجال الإسناد كلهم كوفيون، وعبيد الله بن موسى من كبار شيوخ البخاري، وربما حدث عنه بواسطة كالذي هنا.
قوله: (عن منصور) هو ابن المعتمر.
قوله: (عن خالد بن سعد) هو مولى أبي مسعود البدري الأنصاري، وما له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد أخرجه المنجنيقي في كتاب رواية الأكابر عن الأصاغر عن عبيد الله بن موسى بهذا الإسناد فأدخل بين منصور وخالد بن سعد مجاهدا، وتعقبه الخطيب بعد أن أخرجه من طريق المنجنيقي بأن ذكر مجاهد فيه وهم.
ووقع في رواية المنجنيقي أيضا " خالد بن سعيد " بزيادة ياء في اسم أبيه، وهو وهم نبه عليه الخطيب أيضا.
قوله: (ومعنا غالب بن أبجر) بموحدة وجيم وزن أحمد، يقال إنه الصحابي الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحمر الأهلية.
وحديثه عند أبي داود.
قوله: (فعاده ابن أبي عتيق) في رواية أبي بكر الأعين " فعاده أبو بكر بن أبي عتيق " وكذا قال سائر أصحاب عبد الله بن موسى إلا المنجنيقي فقال في روايته " عن خالد بن سعد عن غالب بن أبجر عن أبي بكر الصديق عن عائشة " واختصر القصة، وبسياقها يتبين الصواب، قال الخطيب: وقوله في السند " عن غالب بن أبحر " وهم فليس لغالب فيه رواية، وإنما سمعه خالد مع غالب من أبي بكر بن أبي عتيق، قال وأبو بكر بن أبي عتيق هذا هو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأبو عتيق كنية أبيه محمد بن عبد الرحمن، وهو معدود في الصحابة لكونه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وأبوه وجده وجد أبيه صحابة مشهورون.
قوله: (عليكم بهذه الحبيبة السويداء) كذا هنا بالتصغير فيهما إلا الكشميهني فقال " السوداء " وهي رواية الأكثر ممن قدمت ذكره أنه أخرج الحديث.
قوله: (فإن عائشة حدثتني أن هذه الحبة السوداء شفاء) وللكشميهني " أن في هذه الحبة شفاء " كذا للأكثر.
وفي رواية الأعين " هذه الحبة السوداء التي تكون في الملح " وكان هذا قد أشكل علي، ثم ظهر لي أنه يريد الكمون وكانت عادتهم جرت أن يخلط بالملح.
قوله: (إلا من السام) بالمهملة بغير همز، ولابن ماجه " إلا أن يكون الموت"، وفي هذا أن الموت داء من جملة الأدواء، قال الشاعر " وداء الموت ليس له دواء " وقد تقدم توجيه إطلاق الداء على الموت في الباب الأول.
قوله: (قلت وما السام؟ قال: الموت) لم أعرف اسم السائل ولا القائل، وأظن السائل خالد بن سعد والمجيب ابن أبي عتيق.
وهذا الذي أشار إليه ابن أبي عتيق ذكره الأطباء في علاج الزكام العارض منه عطاس كثير وقالوا: تقلى الحبة السوداء ثم تدق ناعما ثم تنقع في زيت ثم يقطر منه في الأنف ثلاث قطرات، فلعل غالب بن أبجر كان مزكوما فلذلك وصف له ابن أبي عتيق الصفة المذكورة، وظاهر سياقه أنها موقوفة عليه، ويحتمل أن تكون عنده مرفوعة أيضا، فقد وقع في رواية الأعين عند الإسماعيلي بعد قوله من كل داء " وأقطروا عليها شيئا من الزيت " وفي رواية له أخرى " وربما قال وأقطروا الخ " وادعى الإسماعيلي أن هذه الزيادة مدرجة في الخبر، وقد أوضحت ذلك رواية ابن أبي شيبة؛ ثم وجدتها مرفوعة من حديث بريدة فأخرج المستغفري في " كتاب الطب " من طريق حسام بن مصك عن عبيد الله بن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن الحبة السوداء فيها شفاء " الحديث، قال وفي لفظ " قيل: وما الحبة السوداء؟ قال: الشونيز قال: وكيف أصنع بها؟ قال: تأخذ إحدى وعشرين حبة فتصرها في خرقة ثم تضعها في ماء ليلة، فإذا أصبحت قطرت في المنخر الأيمن واحدة وفي الأيسر اثنتين، فإذا كان من الغد قطرت في المنخر الأيمن اثنتين وفي الأيسر واحدة، فإذا كان اليوم الثالث قطرت في الأيمن واحدة وفي الأيسر اثنتين " ويؤخذ من ذلك أن معنى كون الحبة شفاء من كل داء أنها لا تستعمل في كل داء صرفا بل ربما استعملت مفردة، وربما استعملت مركبة، وربما استعملت مسحوقة وغير مسحوقة، وربما استعملت أكلا وشربا وسعوطا وضمادا وغير ذلك.
وقيل أن قوله " كل داء " تقديره يقبل العلاج بها، فإنها تنفع من الأمراض الباردة، وأما الحارة فلا.
نعم قد تدخل في بعض الأمراض الحارة اليابسة بالعرض فتوصل قوى الأدوية الرطبة الباردة إليها بسرعة تنفيذها، ويستعمل الحار في بعض الأمراض الحارة لخاصية فيه لا يستنكر كالعنزروت فإنه حار ويستعمل في أدوية الرمد المركبة، مع أن الرمد ورم حار باتفاق الأطباء، وقد قال أهل العلم بالطب: إن طبع الحبة السوداء حار يابس، وهي مذهبة للنفخ، نافعة من حمى الربع والبلغم، مفتحة للسدد والريح، مجففة لبلة المعدة، وإذا دقت وعجنت بالعسل وشربت بالماء الحار أذابت الحصاة وأدرت البول والطمث، وفيها جلاء وتقطيع، وإذا دقت وربطت بخرقة من كتان وأديم شمها نفع من الزكام البارد، وإذا نقع منها سبع حبات في لبن امرأة وسعط به صاحب اليرقان أفاده، وإذا شرب منها وزن مثقال بماء أفاد من ضيق النفس، والضماد بها ينفع من الصداع البارد، وإذا طبخت بخل وتمضمض بها نفعت من وجع الأسنان الكائن عن برد، وقد ذكر ابن البيطار وغيره ممن صنف في المفردات في منافعها هذا الذي ذكرته وأكثر منه.

وقال الخطابي: قوله " من كل داء " هو من العام الذي يراد به الخاص، لأنه ليس في طبع شيء من النبات ما يجمع جميع الأمور التي تقابل الطبائع في معالجة الأدواء بمقابلها، وإنما المراد أنها شفاء من كل داء يحدث من الرطوبة.
وقال أبو بكر بن العربي: العسل عند الأطباء أقرب إلى أن يكون دواء من كل داء من الحبة السوداء، ومع ذلك فإن من الأمراض ما لو شرب صاحبه العسل لتأذى به، فإن كان المراد بقوله في العسل " فيه شفاء للناس " الأكثر الأغلب فحمل الحبة السوداء على ذلك أولى.
وقال غيره: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصف الدواء بحسب ما يشاهده من حال المريض، فلعل قوله في الحبة السوداء وافق مرض من مزاجه بارد، فيكون معني قوله " شفاء من كل داء " أي من هذا ال*** الذي وقع القول فيه، والتخصيص بالحيثية كثير شائع والله أعلم.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: تكلم الناس في هذا الحديث وخصوا عمومه وردوه إلى قول أهل الطب والتجربة، ولا خفاء بغلط قائل ذلك، لأنا إذا صدقنا أهل الطب - ومدار علمهم غالبا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب - فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم.
انتهى وقد تقدم توجيه حمله على عمومه بأن يكون المراد بذلك ما هو أعم من الإفراد والتركيب، ولا محذور في ذلك ولا خروج عن ظاهر الحديث، والله أعلم.
الحديث:
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ
الشرح:
قوله: (أخبرني أبو سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف.
قوله: (وسعيد هو ابن المسيب) كذا في رواية عقيل، وأخرجه مسلم من وجهين اقتصر في كل منهما على واحد منهما، وأخرجه مسلم أيضا من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة بلفظ " ما من داء إلا وفي الحبة السوداء منه شفاء إلا السام".
قوله: (والحبة السوداء الشونيز) كذا عطفه على تفسير ابن شهاب للسام، فاقتضى ذلك أن تفسير الحبة السوداء أيضا له.
والشونيز بضم المعجمة وسكون الواو وكسر النون وسكون التحتانية بعدها زاي.
وقال القرطبي: قيد بعض مشايخنا الشين بالفتح وحكى عياض عن ابن الأعرابي أنه كسرها فأبدل الواو ياء فقال الشينيز، وتفسير الحبة السوداء بالشونيز لشهوة الشونيز عندهم إذ ذاك، وأما الآن فالأمر بالعكس، والحبة السوداء أشهر عند أهل هذا العصر من الشونيز بكثير، وتفسيرها بالشونيز هو الأكثر الأشهر وهي الكمون الأسود ويقال له أيضا الكمون الهندي.
ونقل إبراهيم الحربي في " غريب الحديث " عن الحسن البصري أنها الخردل، وحكى أبو عبيد الهروي في " الغريبين " أنها ثمرة البطم بضم الموحدة وسكون المهملة، واسم شجرتها الضرو بكسر المعجمة وسكون الراء.
وقال الجوهري: هو صمغ شجرة تدعى الكمكام تجلب من اليمن، ورائحتها طيبة، وتستعمل في البخور.
قلت: وليست المراد هنا جزما.
وقال القرطبي: تفسيرها بالشونيز أولى من وجهين: أحدهما أنه قول الأكثر، والثاني كثرة منافعها بخلاف الخردل والبطم.

باب التَّلْبِينَةِ لِلْمَرِيضِ
الشرح:
قوله: (باب التلبينة للمريض) هي بفتح المثناة وسكون اللام وكسر الموحدة بعدها تحتانية ثم نون ثم هاء، وقد يقال بلا هاء، قال الأصمعي: هي حساء يعمل من دقيق أو نخالة ويجعل فيه عسل قال غيره: أو لبن.
سميت تلبينة تشبيها لها باللبن في بياضها ورقتها.
وقال ابن قتيبة: وعلى قول من قال يخلط فيها لبن سميت بذلك لمخالطة اللبن لها.
وقال أبو نعيم في الطب: هي دقيق بحت.
وقال قوم: فيه شحم.
وقال الداودي: يؤخذ العجين غير خمير فيخرج ماؤه فيجعل حسوا فيكون لا يخالطه شيء، فلذلك كثر نفعه.
وقال الموفق البغدادي: التلبينة الحساء ويكون في قوام اللبن، وهو الدقيق النضيج لا الغليظ النيئ.
الحديث:
حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عُقَيْلٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ التَّلْبِينَةَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ
الشرح:
قوله: (عبد الله) هو ابن المبارك.
قوله: (حدثنا يونس بن يزيد عن عقيل) هو من رواية الأقران.
وذكر النسائي فيما رواه أبو على الأسيوطي عنه أن عقيلا تفرد به عن الزهري.
ووقع في الترمذي عقب حديث محمد بن السائب بن بركة عن أمه عن عائشة في التلبينة، وقد رواه الزهري عن عروة عن عائشة " حدثنا بذلك الحسين بن محمد حدثنا أبو إسحاق الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري " قال المزي: كذا في النسخ ليس فيه عقيل.
قلت: وكذا أخرجه الإسماعيلي من رواية نعيم بن حماد ومن رواية عبد الله بن سنان كلاهما عن ابن المبارك ليس فيه عقيل، وأخرجه أيضا من رواية علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك بإثباته، وهذا هو المحفوظ، وكأن من لم يذكر فيه عقيلا جرى على الجادة لأن يونس مكثر عن الزهري، وقد رواه عن عقيل أيضا الليث بن سعد وتقدم حديثه في كتاب الأطعمة.
قوله: (أنها كانت تأمر بالتلبين) في رواية الإسماعيلي " بالتلبينة " بزيادة الهاء.
قوله: (للمريض وللمحزون) أي بصنعه لكل منهما، وتقدم في رواية الليث عن عقيل " إن عائشة كانت إذا مات الميت من أهلها ثم اجتمع لذلك النساء ثم تفرقن أمرت ببرمة تلبينة فطبخت ثم قالت: كلوا منها".
قوله: (عليكم بالتلبينة) أي كلوها.
قوله: (فإنها تجم) بفتح المثناة وضم الجيم وبضم أوله وكسر ثانيه وهما بمعنى، ووقع في رواية الليث " فإنها مجمة " بفتح الميم والجيم وتشديد الميم الثانية هذا هو المشهور، وروي بضم أوله وكسر ثانيه وهما بمعنى، يقال جم وأجم، والمعني أنها تريح فؤاده وتزيل عنه الهم وتنشطه، والجام بالتشديد المستريح، والمصدر الجمام والإجمام، ويقال جم الفرس وأجم إذا أريح فلم يركب فيكون أدعى لنشاطه.
وحكى ابن بطال أنه روي تخم بخاء معجمة قال: والمخمة المكنسة.
الحديث:
حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينَةِ وَتَقُولُ هُوَ الْبَغِيضُ النَّافِعُ
الشرح:
(حدثنا فروة) بفتح الفاء (ابن أبي المغراء) بفتح الميم وسكون المعجمة وبالمد هو الكندي الكوفي، واسم أبي المغراء معد يكرب وكنية فروة أبو القاسم، من الطبقة الوسطى من شيوخ البخاري ولم يكثر عنه.
قوله: (أنها كانت تأمرنا بالتلبينة وتقول: هو البغيض النافع) كذا فيه موقوفا، وقد حذف الإسماعيلي هذه الطريق وضاقت على أبي نعيم فأخرجها من طريق البخاري هذه عن فروة، ووقع عند أحمد وابن ماجه من طريق كلثم عن عائشة مرفوعا " عليكم بالبغيض النافع التلبينة يعني الحساء " وأخرجه النسائي من وجه آخر عن عائشة وزاد " والذي نفس محمد بيده إنها لتغسل بطن أحدكم كما يغسل أحدكم الوسخ عن وجهه بالماء " وله وهو عند أحمد والترمذي من طريق محمد بن السائب بن بركة عن أمه عن عائشة قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخذ أهله الوعك أمر بالحساء فصنع، ثم أمرهم فحسوا منه ثم قال: إنه يرتو فؤاد الحزين ويسرو عن فؤاد السقيم، كما تسرو إحداكن الوسخ عن وجهها بالماء".
ويرتو بفتح أوله وسكون الراء وضم المثناة ويسرو وزنه بسين مهملة ثم راء، ومعني يرتو يقوي ومعنى يسرو يكشف، والبغيض بوزن عظيم من البغض أي يبغضه المريض مع كونه ينفعه كسائر الأدوية.
وحكى عياض أنه وقع في رواية أبي زيد المروزي بالنون بدل الموحدة، قال: ولا معني له هنا.
قال الموفق البغدادي: إذا شئت معرفة منافع التلبينة فاعرف منافع ماء الشعير ولا سيما إذا كان نخالة، فإنه يجلو وينفذ بسرعة ويغذي غذاء لطيفا، وإذا شرب حارا كان أجلى وأقوى نفوذا وأنمى للحرارة الغريزية.
قال: والمراد بالفؤاد في الحديث رأس المعدة فإن فؤاد الحزين يضعف باستيلاء اليبس على أعضائه وعلى معدته خاصة لتقليل الغذاء، والحساء يرطبها ويغذيها ويقويها، ويفعل مثل ذلك بفؤاد المريض، لكن المريض كثيرا ما يجتمع في معدته خلط مراري أو بلغمي أو صديدي، وهذا الحساء يجلو ذلك عن المعدة.
قال: وسماه البغيض النافع لأن المريض يعافه وهو نافع له، قال: ولا شيء أنفع من الحساء لمن يغلب عليه في غذائه الشعير، وأما من يغلب على غذائه الحنطة فالأولى به في مرضه حساء الشعير.
وقال صاحب " الهدى ": التلبينة أنفع من الحساء لأنها تطبخ مطحونة فتخرج خاصة الشعير بالطحن، وهي أكثر تغذية وأقوى فعلا وأكثر جلاء، وإنما اختار الأطباء النضيج لأنه أرق وألطف فلا يثقل على طبيعة المريض.
وينبغي أن يختلف الانتفاع بذلك بحسب اختلاف العادة في البلاد، ولعل اللائق بالمريض ماء الشعير إذا طبخ صحيحا، وبالحزين إذا طبخ مطحونا، لما تقدمت الإشارة من الفرق بينهما في الخاصية والله أعلم.

باب السَّعُوطِ
الشرح:
قوله: (باب السعوط) بمهملتين: ما يجعل في الأنف مما يتداوى به.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ وَاسْتَعَطَ
الشرح:
قوله: (واستعط) أي استعمل السعوط وهو أن يستلقي على ظهره ويجعل بين كتفيه ما يرفعهما لينحدر رأسه ويقطر في أنفه ماء أو دهن فيه دواء مفرد أو مركب، ليتمكن بذلك من الوصول إلى دماغه لاستخراج ما فيه من الداء بالعطاس، وسيأتي ذكر ما يستعط به في الباب الذي يليه.
وأخرج الترمذي من وجه آخر عن ابن عباس رفعه " أن خير ما تداويتم به السعوط".

باب السَّعُوطِ بِالْقُسْطِ الْهِنْدِيِّ وَالْبَحْرِيِّ
وَهُوَ الْكُسْتُ مِثْلُ الْكَافُورِ وَالْقَافُورِ مِثْلُ كُشِطَتْ وَقُشِطَتْ نُزِعَتْ وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ قُشِطَتْ
الشرح:
قوله: (باب السعوط بالقسط الهندي والبحري) قال أبو بكر بن العربي القسط نوعان: هندي وهو أسود، وبحري وهو أبيض، والهندي أشدهما حرارة.
قوله: (وهو الكست) يعني أنه يقال بالقاف وبالكاف، ويقال بالطاء وبالمثناة، وذلك لقرب كل من المخرجين بالآخر، وعلى هذا أيضا مع القاف بالمثناة ومع الكاف بالطاء، وقد تقدم في حديث أم عطية عند الطهر من الحيض " نبذة من الكست " وفي رواية عنها " من قسط " ومضى للمصنف في ذلك كلام في " باب القسط للحادة".
قوله: (مثل الكافور والقافور) تقدم هذا في " باب القسط للحادة".
قوله: (ومثل كشطت وقشطت، وقرأ عبد الله قشطت) زاد النسفي " أي نزعت " يريد أن عبد الله بن مسعود قرأ " وإذا السماء قشطت " بالقاف ولم تشتهر هذه القراءة، وقد وجدت سلف البخاري في هذا: فقرأت في كتاب " معاني القرآن للفراء " في قوله تعالى: (وإذا السماء كشطت) قال يعني نزعت، وفي قراءة عبد الله قشطت بالقاف والمعنى واحد، والعرب تقول: الكافور والقافور والقشط والكشط وإذا تقارب الحرفان في المخرج تعاقبا في المخرج هكذا رأيته في نسخة جيدة منه " الكشط " بالكاف والطاء والله أعلم.
الحديث:
حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ قَالَتْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ يُسْتَعَطُ بِهِ مِنْ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ بِهِ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لِي لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَبَالَ عَلَيْهِ فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّ عَلَيْهِ
الشرح:
قوله: (عن عبيد الله) سيأتي بلفظ " أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة".
قوله: (عن أم قيس بنت محصن) وقع عند مسلم التصريح بسماعه له منها، وسيأتي أيضا قريبا.
قوله: (عليكم بهذا العود الهندي) كذا وقع هنا مختصرا، ويأتي بعد أبواب في أوله قصة " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بابن لي وقد أعلقت عليه من العذرة فقال: عليكن بهذا العود الهندي".
وأخرج أحمد وأصحاب السنن من حديث جابر مرفوعا " أيما امرأة أصاب ولدها عذرة أو وجع في رأسه فلتأخذ قسطا هنديا فتحكه بماء ثم تسعطه إياه " وفي حديث أنس الآتي بعد بابين " إن أمثل ما تداويتم به الحجامة والقسط البحري " وهو محمول على أنه وصف لكل ما يلائمه، فحيث وصف الهندي كان لاحتياج في المعالجة إلى دواء شديد الحرارة، وحيث وصف البحري كان دون ذلك في الحرارة، لأن الهندي كما تقدم أشد حرارة من البحري.
وقال ابن سينا: القسط حار في الثالثة يابس في الثانية.
قوله: (فإن فيه سبعة أشفية) جمع شفاء كدواء وأدوية.
قوله: (يسعط به من العذرة، ويلد به من ذات الجنب) كذا وقع الاقتصار في الحديث من السبعة على اثنين، فأما أن يكون ذكر السبعة فاختصره الراوي أو اقتصر على الاثنين لوجودهما حينئذ دون غيرهما، وسيأتي ما يقوي الاحتمال الثاني.
وقد ذكر الأطباء من منافع القسط أنه يدر الطمث والبول ويقتل ديدان الأمعاء ويدفع السم وحمى الربع والورد ويسخن المعدة ويحرك شهوة الجماع ويذهب الكلف طلاء، فذكروا أكثر من سبعة، وأجاب بعض الشراح بأن السبعة علمت بالوحي وما زاد عليها بالتجربة، فاقتصر على ما هو بالوحي لتحققه وقيل ذكر ما يحتاج إليه دون غيره لأنه لم يبعث بتفاصيل ذلك قلت: ويحتمل أن تكون السبعة أصول صفة التداوي بها؛ لأنها إما طلاء أو شرب أو تكميد أو تنطيل أو تبخير أو سعوط أو لدود؛ فالطلاء يدخل في المراهم ويحلى بالزيت ويلطخ، وكذا التكميد، والشرب يسحق ويجعل في عسل أو ماء أو غيرهما، وكذا التنطيل، والسعوط يسحق في زيت ويقطر في الأنف، وكذا الدهن، والتبخير واضح، وتحت كل واحدة من السبعة منافع لأدواء مختلفة ولا يستغرب ذلك ممن أوتي جوامع الكلم.
وأما العذرة فهي بضم المهملة وسكون المعجمة وجع في الحلق يعتري الصبيان غالبا، وقيل هي قرحة تخرج بين الأذن والحلق أو في الخرم الذي بين الأنف والحلق، قيل سميت بذلك لأنها تخرج غالبا عند طلوع العذرة؛ وهي خمسة كواكب تحت الشعري العبور، ويقال لها أيضا العذاري، وطلوعها يقع وسط الحر.
وقد استشكل معالجتها بالقسط مع كونه حارا والعذرة إنما تعرض في زمن الحر بالصبيان وأمزجتهم حارة ولا سيما وقطر الحجاز حار، وأجيب بأن مادة العذرة دم يغلب عليه البلغم، وفي القسط تخفيف للرطوبة.
وقد يكون نفعه في هذا الدواء بالخاصية، وأيضا فالأدوية الحارة قد تنفع في الأمراض الحارة بالعرض كثيرا، بل وبالذات أيضا.
وقد ذكر ابن سينا في معالجة سعوط اللهاة القسط مع الشب اليماني وغيره.
على أننا لو لم نجد شيئا من التوجيهات لكان أمر المعجزة خارجا عن القواعد الطبية.
وسيأتي بيان ذات الجنب في " باب اللدود " وفيه شرح بقية حديث أم قيس هذا.
وقولها " ودخلت على النبي صلى الله عليه وسلم بابن لي " تقدم مطولا في الطهارة، وهو حديث آخر لأم قيس وقع ذكره هنا استطرادا، والله أعلم.

باب أَيَّ سَاعَةٍ يَحْتَجِمُ وَاحْتَجَمَ أَبُو مُوسَى لَيْلاً
الشرح:
قوله: (باب أية ساعة يحتجم) في رواية الكشميهني " أي ساعة " بلا هاء، والمراد بالساعة في الترجمة مطلق الزمان لا خصوص الساعة المتعارفة.
قوله (واحتجم أبو موسى ليلا) تقدم موصولا في كتاب الصيام، وفيه أن امتناعه من الحجامة نهارا كان بسبب الصيام لئلا يدخله خلل، وإلى ذلك ذهب مالك فكره الحجامة للصائم لئلا يغرر بصومه، لا لكون الحجامة تفطر الصائم.
وقد تقدم البحث في حديث " أفطر الحاجم والمحجوم " هناك وورد في الأوقات اللائقة بالحجامة أحاديث ليس فيها شيء على شرطه، فكأنه أشار إلى أنها تصنع عند الاحتياج ولا تتقيد بوقت دون وقت، لأنه ذكر الاحتجام ليلا.
الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَائِمٌ
الشرح:
ذكر حديث ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم " وهو يقتضي كون ذلك وقع منه نهارا، وعند الأطباء أن أنفع الحجامة ما يقع في الساعة الثانية أو الثالثة، وأن لا يقع عقب استفراغ عن جماع أو حمام أو غيرهما ولا عقب شبع ولا جوع.
وقد ورد في تعيين الأيام للحجامة حديث لابن عمر عند ابن ماجه رفعه في أثناء حديث وفيه " فاحتجموا على بركة الله يوم الخميس، واحتجموا يوم الاثنين والثلاثاء؛ واجتنبوا الحجامة يوم الأربعاء والجمعة والسبت والأحد " أخرجه من طريقين ضعيفين، وله طريق ثالثة ضعيفة أيضا عند الدار قطني في " الأفراد " وأخرجه بسند جيد عن ابن عمر موقوفا، ونقل الخلال عن أحمد أنه كره الحجامة في الأيام المذكورة وأن الحديث لم يثبت، وحكى أن رجلا احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص لكونه تهاون بالحديث.
وأخرج أبو داود من حديث أبي بكرة أنه كان يكره الحجامة يوم الثلاثاء وقال " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يوم الثلاثاء يوم الدم، وفيه ساعة لا يرقأ فيها".
وورد في عدد من الشهر أحاديث: منها ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة رفعه " من احتجم لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين كان شفاء من كل داء " وهو من رواية سعيد بن عبد الرحمن الجمحي عن سهيل بن أبي صالح، وسعيد وثقه الأكثر ولينه بعضهم من قبل حفظه.
وله شاهد من حديث ابن عباس عند أحمد والترمذي ورجاله ثقات، لكنه معلول.
وشاهد آخر من حديث أنس عند ابن ماجه، وسنده ضعيف.
وهو عند الترمذي من وجه آخر عن أنس لكن من فعله صلى الله عليه وسلم، ولكون هذه الأحاديث لم يصح منها شيء قال حنبل بن إسحاق: كان أحمد يحتجم أي وقت هاج به الدم وأي ساعة كانت.
وقد اتفق الأطباء على أن الحجامة في النصف الثاني من الشهر ثم في الربع الثالث من أرباعه أنفع من الحجامة في أوله وآخره، قال الموفق البغدادي: وذلك أن الأخلاط في أول الشهر تهيج وفي آخره تسكن، فأولى ما يكون الاستفراغ في أثنائه.
والله أعلم.

باب الْحَجْمِ فِي السَّفَرِ وَالْإِحْرَامِ
قَالَهُ ابْنُ بُحَيْنَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الشرح:
قوله: (باب الحجم في السفر والإحرام، قاله ابن بحينة عن النبي صلى الله عليه وسلم) كأنه يشير إلى ما أورده في الباب الذي يليه موصولا عن عبيد الله بن بحينة " أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم في طريق مكة " وقد تبين في حديث ابن عباس أنه كان حينئذ محرما، فانتزعت الترجمة من الحديثين معا، على أن حديث ابن عباس وحده كاف في ذلك، لأن من لازم كونه صلى الله عليه وسلم كان محرما أن يكون مسافرا، لأنه لم يحرم قط وهو مقيم.
وقد تقدم الكلام على ما يتعلق بحجامة المحرم في كتاب الحج، وأما الحجامة للمسافر فعلى ما تقدم أنها تفعل عند الاحتياج إليها من هيجان الدم ونحو ذلك فلا يختص ذلك بحالة دون حالة، والله أعلم.

باب الْحِجَامَةِ مِنْ الدَّاءِ
الشرح:
قوله: (باب الحجامة من الداء) أي بسبب الداء.
قال الموفق البغدادي: الحجامة تنقي سطح البدن أكثر من الفصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان وفي البلاد الحارة أولى من الفصد وآمن غائلة، وقد تغني عن كثير من الأدوية، ولهذا وردت الأحاديث بذكرها دون الفصد، ولأن العرب غالبا ما كانت تعرف إلا الحجامة.
وقال صاحب الهدى: التحقيق في أمر الفصد والحجامة أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج، فالحجامة في الأزمان الحارة والأمكنة الحارة والأبدان الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج أنفع، والفصد بالعكس، ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان ولمن لا يقوى على الفصد.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أَجْرِ الْحَجَّامِ فَقَالَ احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ وَأَعْطَاهُ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفُوا عَنْهُ وَقَالَ إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيُّ وَقَالَ لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنْ الْعُذْرَةِ وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ
الشرح:
قوله: (عبد الله) هو ابن المبارك.
قوله: (عن أنس) في رواية شعبة عن حميد " سمعت أنسا " وقد تقدمت الإشارة إليه في الإجارة.
قوله (عن أجر الحجام) في رواية أحمد عن يحيي القطان عن حميد " كسب الحجام".
قوله: (حجمه أبو طيبة) بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة، تقدم في الإجارة ذكر تسميته وتعيين مواليه، وكذا *** ما أعطي من الأجرة وأنه تمر، وحكم كسبه، فأغني عن إعادته.
قوله: (وقال: إن أمثل ما تداويتم به الحجامة) هو موصول بالإسناد المذكور، وقد أخرجه النسائي مفردا من طريق زياد بن سعد وغيره عن حميد عن أنس بلفظ " خير ما تداويتم به الحجامة " ومن طريق معتمر عن حميد بلفظ " أفضل"، قال أهل المعرفة: الخطاب بذلك لأهل الحجاز ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارة، لأن دماءهم رقيقة وتميل إلى ظاهر الأبدان لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن، ويؤخذ من هذا أن الخطاب أيضا لغير الشيوخ لقلة الحرارة في أبدانهم.
وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين قال: إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم.
قال الطبري. وذلك أنه يصير من حينئذ في انتقاص من عمره وانحلال من قوى جسده، فلا ينبغي أن يزيده وهيا بإخراج الدم ا ه.
وهو محمول على من لم تتعين حاجته إليه، وعلى من لم يعتد به، وقد قال ابن سينا في أرجوزته: ومن يكن تعود الفصادة فلا يكن يقطع تلك العادة ثم أشار إلى أمه يقلل ذلك بالتدريج إلى أن ينقطع جملة في عشر الثمانين.
قوله: (وقال لا تعذبوا صبيانكم بالغمز من العذرة؛ وعليكم بالقسط) هو موصول أيضا بالإسناد المذكور إلى حميد عن أنس مرفوعا.
وقد أورده النسائي من طريق يزيد بن زريع عن حميد به مضموما إلى حديث " خير ما تداويتم به الحجامة " وقد اشتمل هذا الحديث على مشروعية الحجامة والترغيب في المداواة بها ولا سيما لمن احتاج إليها، وعلى حكم كسب الحجام وقد تقدم في الإجارة، وعلى التداوي بالقسط وقد تقدم قريبا، وسيأتي الكلام على الأعلاق في العذرة والغمزة في " باب اللدود".
الحديث:
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيدٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرٌو وَغَيْرُهُ أَنَّ بُكَيْراً حَدَّثَهُ أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَادَ الْمُقَنَّعَ ثُمَّ قَالَ لَا أَبْرَحُ حَتَّى تَحْتَجِمَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ فِيهِ شِفَاءً
الشرح:
قوله: (حدثنا سعيد بن تليد) بمثناة ولام وزن سعيد، وهو سعيد بن عيسى بن تليد نسب لجده، وهو مصري، وثقه أبو يونس وقال: كان فقيها ثبتا في الحديث، وكان يكتب للقضاة.
قوله: (أخبرني عمرو وغيره) أما عمرو فهو ابن الحارث، وأما غيره فما عرفته؛ ويغلب على ظني أنه ابن لهيعة، وقد أخرج الحديث أحمد ومسلم والنسائي وأبو عوانة والطحاوي والإسماعيلي وابن حبان من طرق عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث وحده لم يقل أحد في الإسناد " وغيره " والله أعلم.
قوله: (أن بكيرا حدثه) هكذا أفرد الضمير لواحد بعد أن قدم ذكر اثنين، وبكير هو ابن عبد الله بن الأشج وربما نسب لجده، مدني سكن مصر، والإسناد إليه مصريون.
قوله: (عاد المقنع) بقاف ونون ثقيلة مفتوحة هو ابن سنان تابعي.
لا أعرفه إلا في هذا الحديث.
قوله: (إن فيه شفاء) كذا ذكره بكير بن الأشج مختصرا، ومضى في " باب الدواء بالعسل " من طريق عبد الرحمن ابن الغسيل عن عاصم بن عمر مطولا، وسيأتي أيضا عن قرب.

باب الْحِجَامَةِ عَلَى الرَّأْسِ
الشرح:
قوله: (باب الحجامة على الرأس) ورد في فضل الحجامة في الرأس حديث ضعيف أخرجه ابن عدي من طريق عمر بن رباح عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس رفعه " الحجامة في الرأس تنفع من سبع: من الجنون والجذام والبرص والنعاس والصداع ووجع الضرس والعين".
وعمر متروك رماه الفلاس وغيره بالكذب، ولكن قال الأطباء: إن الحجامة في وسط الرأس نافعة جدا، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعلها كما في أول حديثي الباب وآخرهما وإن كان مطلقا فهو مقيد بأولهما، وورد أنه صلى الله عليه وسلم احتجم أيضا في الأخدعين والكاهل أخرجه الترمذي وحسنه وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم.

قال أهل العلم بالطب: فصد الباسليق ينفع حرارة الكبد والطحال والرئة ومن الشوصة وذات الجنب وسائر الأمراض الدموية العارضة من أسفل الركبة إلى الورك، وفصد الأكحل ينفع الامتلاء العارض في جميع البدن إذا كان دمويا ولا سيما إن كان فسد، وفصد القيفال ينفع من علل الرأس والرقبة إذا كثر الدم أو فسد، وفصد الودجين لوجع الطحال والربو ووجه الجنبين، والحجامة على الكاهل تنفع من وجه المنكب والحلق وتنوب عن فصد الباسليق، والحجامة على الأخدعين تنفع من أمراض الرأس والوجه كالأذنين والعينين والأسنان والأنف والحلق وتنوب عن فصد القيفال، والحجامة تحت الذقن تنفع من وجع الأسنان والوجه والحلقوم وتنقي الرأس، والحجامة على ظهر القدم تنوب عن فصد الصافن وهو عرق عند الكعب وتنفع من قروح الفخذين والساقين وانقطاع الطمث والحكة العارضة في الأنثيين، والحجامة على أسفل الصدر نافعة من دماميل الفخذ وجربه وبثوره ومن النقرس والبواسير وداء الفيل وحكة الطهر، ومحل ذلك كله إذا كان عن دم هائج وصادفه وقت الاحتياج إليه، والحجامة على المقعدة تنقع الأمعاء وفساد الحيض.
الحديث:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجَ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ بِلَحْيِ جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ فِي رَأْسِهِ
الشرح:
قوله: (حدثنا إسماعيل) هو ابن أبي أويس، وسليمان هو ابن بلال، وعلقمة هو ابن أبي علقمة، والسند كله مدنيون، وقد تقدم بيان حاله في أبواب المحصر في الحج.
قوله: (احتجم بلحمه جمل) كذا وقع بالتثنية وتقدم بلفظ الإفراد واللام مفتوحة ويجوز كسرها، وجمل بفتح الجيم والميم، قال ابن وضاح: هي بقعة معروفة وهي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا، وزعم بعضهم أنه الآلة التي احتجم بها أي احتجم بعظم جمل، والأول المعتمد، وسأذكر في حديث ابن عباس التصريح بقصة ذلك.
قوله: (في وسط رأسه) بفتح السين المهملة ويجوز تسكينها، وتقدم بيانه في كتاب الحج وقول من فرق بينهما.
قوله: (وقال الأنصاري) وصله الإسماعيلي قال: " حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا عبيد الله بن فضالة حدثنا محمد بن عبد الأنصاري " فذكره بلفظ " احتجم احتجامة في رأسه " ووصله البيهقي من طريق أبي حاتم الرازي حدثنا الأنصاري بلفظ " احتجم وهو محرم من صداع كان به أو داء، واحتجم فيما يقال له لحي جمل " وهكذا أخرجه أحمد عن الأنصاري، وسيأتي في الباب الذي بعده في حديث ابن عباس بلفظ " بما يقال له لحي جمل".

باب الْحِجَامَةِ مِنْ الشَّقِيقَةِ وَالصُّدَاعِ
الشرح:
قوله: (باب الحجامة من الشقيقة والصداع) أي بسببهما، وقد سقطت هذه الترجمة من رواية النسفي، وأورد ما فيها في الذي قبله، وهو متجه.
والشقيقة بشين معجمة وقافين وزن عظيمة: وجع يأخذ في أحد جانبي الرأس أو في مقدمه، وذكر أهل الطب أنه من الأمراض المزمنة، وسببه أبخرة مرتفعة أو أخلاط حارة أو باردة ترتفع إلى الدماغ، فإن لم تجد منفذا أحدث الصداع، فإن مال إلى أحد شقي الرأي أحدث الشقيقة، وإن ملك قمة الرأس أحدث داء البيضة.
وذكر الصداع بعده من العام بعد الخاص.
وأسباب الصداع كثيرة جدا: منها ما تقدم، ومنها ما يكون عن ورم في المعدة أو في عروقها، أو ريح غليظة فيها أو لامتلائها، ومنها ما يكون من الحركة العنيفة كالجماع والقيء والاستفراغ أو السهر أو كثرة الكلام، ومنها ما يحدث عن الأغراض النفسانية كالهم والغم والحزن والجوع والحمى، ومنها ما يحدث عن حادث في الرأس كضربة تصيبه، أو ورم في صفاق الدماغ، أو حمل شيء ثقيل يضغط الرأس، أو تسخينه بلبس شيء خارج عن الاعتدال، أو تبريده بملاقاة الهواء أو الماء في البرد.
وأما الشقيقة بخصوصها فهي في شرايين الرأس وحدها، وتختص بالموضع الأضعف من الرأس؛ وعلاجها بشد العصابة وقد أخرج أحمد من حديث بريدة " أنه صلى الله عليه وسلم كان ربما أخذته الشقيقة؛ فيمكث اليوم واليومين لا يخرج " الحديث.
وتقدم في الوفاة النبوية حديث ابن عباس " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عصب رأسه".
الحديث:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ احْتَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ لُحْيُ جَمَلٍ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَوَاءٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ مِنْ شَقِيقَةٍ كَانَتْ بِهِ
الشرح:
(عن هشام) هو ابن حسان، وقوله: " من وجع " كان قد بينه في الرواية التي بعد.
قوله: (وقال محمد بن سواء) بمهملة ومد هو السدوسي، واسم جده عنبر بمهملة ونون وموحدة؛ بصري يكني أبا الخطاب، ما له في البخاري سوى حديث موصول مضى في المناقب؛ وآخر يأتي في الأدب وهذا المعلق، وقد وصله الإسماعيلي قال: " حدثنا أبو يعلي حدثنا محمد بن عبد الله الأزدي حدثنا محمد بن سواء " فذكره سواء.
وقد اتفقت هذه الطرق عن ابن عباس أنه احتجم صلى الله عليه وسلم وهو محرم في رأسه، ووافقها حديث ابن بحينة، وخالف ذلك حديث أنس: فأخرج أبو داود والترمذي في " الشمائل " والنسائي وصححه ابن خزيمة وابن حبان من طريق معمر عن قتادة عنه قال، احتجم النبي صلى الله عليه وسلم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به، ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر، وليست هذه بعلة قادحة، والجمع بين حديثي ابن عباس وأنس واضح بالحمل على التعدد؛ أشار إلى ذلك الطبري.
وفي الحديث أيضا جواز الحجامة للمحرم وأن إخراجه الدم لا يقدح في إحرامه، وقد تقدم بيان ذلك في كتاب الحج، وحاصله أن المحرم إن احتجم وسط رأسه لعذر جاز مطلقا، فإن قطع الشعر وجبت عليه الفدية، فإن احتجم لغير عذر وقطع حرم؛ والله أعلم.
الحديث:
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبَانَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْغَسِيلِ قَالَ حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ خَيْرٌ فَفِي شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ مِنْ نَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ
الشرح:
قوله: (حدثنا إسماعيل بن أبان) هو الوراق الأزدي الكوفي أبو إسحاق - أو أبو إبراهيم - من كبار شيوخ البخاري. وهو صدوق، تكلم فيه الجوزجاني لأجل التشيع، قال ابن عدي: وهو مع ذلك صدوق. وفي عصره إسماعيل بن أبان آخر يقال له الغنوي، قال ابن معين: الغنوي كذاب والوراق ثقة. وقال ابن المديني: الوراق لا بأس به والغنوي كتبت عنه وتركته، وضعفه جدا. وكذا فرق بينهما أحمد وعثمان بن أبي شيبة وجماعة، وغفل من خلطهما. وكانت وفاة الغنوي قبل الوراق بست سنين، والله أعلم.
قوله (حدثنا ابن الغسيل) هو عبد الرحمن بن سليمان، تقدم شرح حاله قريبا.

باب الْحَلْقِ مِنْ الْأَذَى
الشرح:
قوله: (باب الحلق من الأذى) أي حلق شعر الرأس وغيره.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ سَمِعْتُ مُجَاهِداً عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبٍ هُوَ ابْنُ عُجْرَةَ قَالَ أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ بُرْمَةٍ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَنْ رَأْسِي فَقَالَ أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةً أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً قَالَ أَيُّوبُ لَا أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ
الشرح:
حديث كعب بن عجرة في حلق رأسه وهو محرم بسبب كثرة القمل، مضى شرحه مستوفى في كتاب الحج، وكأنه أورده عقب حديث الحجامة وسط الرأس للإشارة إلى أن جواز حلق الشعر للمحرم لأجل الحجامة عند الحاجة إليها يستنبط من جواز حلق جميع الرأس للمحرم عند الحاجة.




رد مع اقتباس
#3  
قديم 2008-02-09, 05:08 PM
منصور المغربي
:: عضو فعال ::
منصور المغربي غير متواجد حالياً
SMS ~
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
لوني المفضل #00378f
 رقم العضوية : 35
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 المشاركات : 18 [ + ]
 التقييم : 10
 معدل التقييم : منصور المغربي is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي تابع كِتَاب الطب 3



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ


فتح الباري شرح صحيح البخاري


كِتَاب الطب 3


باب مَنْ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ وَفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ
باب الْإِثْمِدِ وَالْكُحْلِ مِنْ الرَّمَدِ
باب الْجُذَامِ
باب الْمَنُّ شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ
باب اللَّدُودِ
باب
باب الْعُذْرَةِ
باب دَوَاءِ الْمَبْطُونِ
باب لا صَفَرَ وَهُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَطْنَ
باب ذَاتِ الْجَنْبِ
باب حَرْقِ الْحَصِيرِ لِيُسَدَّ بِهِ الدَّمُ

باب مَنْ اكْتَوَى أَوْ كَوَى غَيْرَهُ وَفَضْلِ مَنْ لَمْ يَكْتَوِ
الشرح:
قوله: (باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل من لم يكتو) كأنه أراد أن الكي جائز للحاجة، وأن الأولى تركه إذا لم يتعين، وأنه إذا جاز كان أعم من أن يباشر الشخص ذلك بنفسه أو بغيره لنفسه أو لغيره، وعموم الجواز مأخوذ من نسبة الشفاء إليه في أول حديثي الباب، وفضل تركه من قوله: " وما أحب أن أكتوي".
وقد أخرج مسلم من طريق أبي الزبير عن جابر قال: " رمي سعد بن معاذ على أكحله فحسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم " ومن طريق أبي سفيان عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أبي بن كعب طبيبا فقطع منه عرقا ثم كواه"، وروى الطحاوي وصححه الحاكم عن أنس قال: " كواني أبو طلحة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم " وأصله في البخاري، وأنه كوي من ذات الجنب، وسيأتي قريبا.
وعند الترمذي عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن زرارة من الشوكة " ولمسلم عن عمران بن حصين " كان يسلم علي حتى اكتويت فترك، ثم تركت الكي فعاد " وله عنه من وجه آخر " إن الذي كان انقطع عني رجع إلي " يعني تسليم الملائكة، كذا في الأصل، وفي لفظ أنه " كان يسلم علي فلما اكتويت أمسك عني، فلما تركته عاد إلي " وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا " وفي لفظ " فلم يفلحن ولم ينجحن " وسنده قوي، والنهي فيه محمول على الكراهة أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث، وقيل إنه خاص بعمران لأنه كان به الباسور وكان موضعه خطرا فنهاه عن كيه.
فلما اشتد عليه كواه فلم ينجح.
وقال ابن قتيبة: الكي نوعان: كي الصحيح لئلا يعتل فهذا الذي قيل فيه: " لم يتوكل من اكتوى " لأنه يريد أن يدفع القدر والقدر لا يدافع، والثاني كي الجرح إذا نغل أي فسد، والعضو إذا قطع، فهو الذي يشرع التداوي به فإن كان الكي لأمر محتمل فهو خلاف الأولى لما فيه من تعجيل التعذيب بالنار لأمر غير محقق.
وحاصل الجمع أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه.
وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه وإما عما لا يتعين طريقا إلى الشفاء والله أعلم.
وقد تقدم شيء من هذا في " باب الشفاء في ثلاث " ولم أر في أثر صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى، إلا أن القرطبي نسب إلى " كتاب أدب النفوس " للطبري أن النبي صلى الله عليه وسلم اكتوى، وذكره الحليمي بلفظ " روي أنه اكتوى للجرح الذي أصابه بأحد".
قلت: والثابت في الصحيح كما تقدم في غزوة أحد " أن فاطمة أحرقت حصيرا فحشت به جرحه " وليس هذا الكي المعهود، وجزم ابن التين بأنه اكتوى، وعكسه ابن القيم في الهدى.
الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ الْغَسِيلِ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِراً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنْ كَانَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَدْوِيَتِكُمْ شِفَاءٌ فَفِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ لَذْعَةٍ بِنَارٍ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ
الشرح:
قوله: (حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك) هو الطيالسي.
قوله: (سمعت جابرا) في رواية الإسماعيلي من طريق محمد بن خلاد عن أبي الوليد بسنده " أتانا جابر في بيتنا فحدثنا".
قوله: (ففي شرطة محجم، أو لذعة بنار) كذا اقتصر في هذه الطريق على شيئين، وحذف الثالث وهو العسل؛ وثبت ذكره في رواية أبي نعيم من طريق أبي مسعود عن أبي الوليد، وكذا عند الإسماعيلي لكن لم يسق لفظه بل أحال به على رواية أبي نعيم عن ابن الغسيل، وقد تقدم عن أبي نعيم تاما في "

باب الدواء بالعسل " واختصر من هذه الطريق أيضا قوله: " توافق الداء " وقد تقدم بيانها هناك.
الحديث:
حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ عَنْ عَامِرٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ فَذَكَرْتُهُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَجَعَلَ النَّبِيُّ وَالنَّبِيَّانِ يَمُرُّونَ مَعَهُمْ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ حَتَّى رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ قُلْتُ مَا هَذَا أُمَّتِي هَذِهِ قِيلَ بَلْ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ قِيلَ انْظُرْ إِلَى الْأُفُقِ فَإِذَا سَوَادٌ يَمْلَأُ الْأُفُقَ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا فِي آفَاقِ السَّمَاءِ فَإِذَا سَوَادٌ قَدْ مَلَأَ الْأُفُقَ قِيلَ هَذِهِ أُمَّتُكَ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً بِغَيْرِ حِسَابٍ ثُمَّ دَخَلَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ فَأَفَاضَ الْقَوْمُ وَقَالُوا نَحْنُ الَّذِينَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاتَّبَعْنَا رَسُولَهُ فَنَحْنُ هُمْ أَوْ أَوْلَادُنَا الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّا وُلِدْنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَالَ عُكَاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا قَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ
الشرح:
قوله: (عمران بن ميسرة) بفتح الميم وسكون التحتانية بعدها مهملة.
قوله: (حصين) بالتصغير هو ابن عبد الرحمن الواسطي، وعامر هو الشعبي.
قوله: (عن عمران بن حصين قال: لا رقية إلا من عين أو حمة) كذا رواه محمد بن فضيل عن حصين موقوفا، ووافقه هشيم وشعبة عن حصين على وقفه، ورواية هشيم عند أحمد ومسلم، ورواية شعبة عند الترمذي تعليقا، ووصلها ابنا أبي شيبة ولكن قالا " عن بريدة " بدل عمران بن حصين، وخالف الجميع مالك بن مغول عن حصين فرواه مرفوعا وقال: " عن عمران بن حصين " أخرجه أحمد وأبو داود، وكذا قال ابن عيينة " عن حصين " أخرجه الترمذي، وكذا قال إسحاق بن سليمان " عن حصين " أخرجه ابن ماجه.
واختلف فيه على الشعبي اختلافا آخر فأخرجه أبو داود من طريق العباس بن ذريح بمعجمة وراء وآخره مهملة بوزن عظيم فقال: " عن الشعبي عن أنس " ورفعه، وشذ العباس بذلك، والمحفوظ رواية حصين مع الاختلاف عليه في رفعه ووقفه، وهل هو عن عمران أو بريدة، والتحقيق أنه عنده عن عمران وعن بريدة جميعا.
ووقع لبعض الرواة عن البخاري قال: حديث الشعبي مرسل، والمسند حديث ابن عباس، فأشار بذلك إلى أنه أورد حديث الشعبي استطرادا ولم يقصد إلى تصحيحه، ولعل هذا هو السر في حذف الحميدي له من " الجمع بين الصحيحين " فإنه لم يذكره أصلا.
ثم وجدت في نسخة الصغاني " قال أبو عبد الله هو المصنف: إنما أردنا من هذا حديث ابن عباس، والشعبي عن عمران مرسل " وهذا يؤيد ما ذكرته.
قوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة) بضم المهملة وتخفيف الميم، قال ثعلب وغيره: هي سم العقرب.
وقال القزاز: قيل: هي شوكة العقرب، وكذا قال ابن سيده إنها الإبرة التي تضرب بها العقرب والزنبور.
وقال الخطابي: الحمة كل هامة ذات سم من حية أو عقرب.
وقد أخرج أبو داود من حديث سهل بن حنيف مرفوعا " لا رقية إلا من نفس، أو حمة، أو لدغة " فغاير بينهما، فيحتمل أن يخرج على أن الحمة خاصة بالعقرب، فيكون ذكر اللدغة بعدها من العام بعد الخاص.
وسيأتي بيان حكم الرقية في " باب رقية الحية والعقرب " بعد أبواب، وكذلك ذكر حكم العين في باب مفرد.
قوله: (فذكرته لسعيد بن جبير) القائل ذلك حصين بن عبد الرحمن، وقد بين ذلك هشيم عن حصين بن عبد الرحمن قال: " كنت عند سعيد بن جبير فقال: حدثني ابن عباس " وسيأتي ذلك في كتاب الرقاق.
وأخرجه أحمد عن هشيم ومسلم من وجه آخر عنه بزيادة قصة قال: " كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قلت: أنا.
ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكن لدغت.
قال: وكيف فعلت؟ قلت: استرقيت.
قال: وما حملك على ذلك؟ قلت: حديث حدثناه الشعبي عن بريدة أنه قال لا رقية إلا من عين أو حمة.
فقال سعيد قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ثم قال: حدثنا ابن عباس " فذكر الحديث.
قوله: (عرضت علي الأمم) سيأتي شرحه في كتاب الرقاق، وقوله في هذه الرواية " حتى وقع في سواد " كذا للأكثر بواو وقاف، وبلفظ " في"، وللكشميهني " حتى رفع " براء وفاء، وبلفظ " لي " وهو المحفوظ في جميع طرق هذا الحديث.
قوله: (فقال هم الذي لا يسترقون ولا يتطيرون) سيأتي الكلام على الرقية بعد قليل، وكذلك يأتي القول في الطيرة بعد ذلك إن شاء الله تعالى.

باب الْإِثْمِدِ وَالْكُحْلِ مِنْ الرَّمَدِ
فِيهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ
الشرح:
قوله: (باب الإثمد والكحل من الرمد) أي بسب الرمد، والرمد بفتح الراء والميم: ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين وهو بياضها الظاهر، وسببه انصباب أحد الأخلاط أو أبخرة تصعد من المعدة إلى الدماغ فإن اندفع إلى الخياشيم أحدث الزكام، أو إلى العين أحدث الرمد، أو إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخنان بالخاء المعجمة والنون، أو إلى الصدر أحدث النزلة، أو إلى القلب أحدث الشوصة، وإن لم ينحدر وطلب نفاذا فلم يجد أحدث الصداع كما تقدم.
قوله: (فيه عن أم عطية) يشير إلى حديث أم عطية مرفوعا " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد فوق ثلاث إلا على زوج " فإنها لا تكتحل، وقد تقدم في أبواب العدة، لكن لم أر في شيء من طرقه ذكر الإثمد، فكأنه ذكره لكون العرب غالبا إنما تكتحل به، وقد ورد التنصيص عليه في حديث ابن عباس رفعه " اكتحلوا بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر " أخرجه الترمذي وحسنه واللفظ له، وابن ماجه وصححه ابن حبان، وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن ابن عباس في " الشمائل " وفي الباب عن جابر عند الترمذي في " الشمائل " وابن ماجه وابن عدي من ثلاث طرق عن ابن المنكدر عنه بلفظ " عليكم بالإثمد، فإنه يجلو البصر وينبت الشعر " وعن علي عند ابن أبي عاصم والطبراني ولفظه " عليكم بالإثمد فإنه منبتة للشعر، مذهبة للقذى، مصفاة للبصر " وسنده حسن، وعن ابن عمر بنحوه عند الترمذي في " الشمائل " وعن أنس في " غريب مالك " للدار قطني بلفظ " كان يأمرنا بالإثمد " وعن سعيد بن هوذة عند أحمد بلفظ " اكتحلوا بالإثمد فإنه " الحديث، وهو عند أبي داود من حديثه بلفظ " إنه أمر بالإثمد المروح عند النوم " وعن أبي هريرة بلفظ " خير أكحالكم الإثمد فإنه " الحديث أخرجه البزار وفي سنده مقال، وعن أبي رافع " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتحل بالإثمد " أخرجه البيهقي وفي سنده مقال، وعن عائشة " كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم إثمد يكحل به عند منامه في كل عين ثلاثا " أخرجه أبو الشيخ في كتاب " أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم " بسند ضعيف، والإثمد بكسر الهمزة والميم بينهما ثاء مثلثة ساكنة وحكي فيه ضم الهمزة: حجر معروف أسود يضرب إلى الحمرة يكون في بلاد الحجاز وأجوده يؤتى به من أصبهان، واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل أو هو نفس الكحل؟ ذكره ابن سيده وأشار إليه الجوهري، وفي هذه الأحاديث استحباب الاكتحال بالإثمد ووقع الأمر بالاكتحال وترا من حديث أبي هريرة في " سنن أبي داود " ووقع في بعض الأحاديث التي أشرت إليها كبقية الاكتحال، وحاصله ثلاثا في كل عين، فيكون الوتر في كل واحدة على حدة، أو اثنتين في كل عين وواحدة بينهما، أو في اليمين ثلاثا وفي اليسرى ثنتين فيكون الوتر بالنسبة لهما جميعا وأرجحها الأول والله أعلم.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ قَالَ حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ امْرَأَةً تُوُفِّيَ زَوْجُهَا فَاشْتَكَتْ عَيْنَهَا فَذَكَرُوهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرُوا لَهُ الْكُحْلَ وَأَنَّهُ يُخَافُ عَلَى عَيْنِهَا فَقَالَ لَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ تَمْكُثُ فِي بَيْتِهَا فِي شَرِّ أَحْلَاسِهَا أَوْ فِي أَحْلَاسِهَا فِي شَرِّ بَيْتِهَا فَإِذَا مَرَّ كَلْبٌ رَمَتْ بَعْرَةً فَهَلَّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً
الشرح:
ذكر المصنف حديث أم سلمة من رواية زينب وهي بنتها عنها " أن امرأة توفي زوجها فاشتكت عينها، فذكروها للنبي صلى الله عليه وسلم وذكروا له الكحل وأنه يخاف على عينها " الحديث، وقد مرت مباحثه في أبواب الإحداد.
وأما قوله في آخره: " فلا، أربعة أشهر وعشرا " كذا للأكثر وعند الكشميهني " فهلا أربعة أشهر وعشرا "؟ وهي واضحة، وأما الاقتصار على حرف النهي فالمنفي مقدر كأنه قال: فلا تكتحل، ثم قال: تمكث أربعة أشهر وعشرا.

باب الْجُذَامِ
وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ وَفِرَّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنْ الْأَسَدِ
الشرح:
قوله: (باب الجذام) بضم الجيم وتخفيف المعجمة، هو علة رديئة تحدث من انتشار المرة السوداء في البدن كله فتفسد مزاج الأعضاء، وربما أفسد في آخره إيصالها حتى يتأكل.
قال ابن سيده: سمي بذلك لتجذم الأصابع وتقطعها.
قوله: (وقال عفان) هو ابن مسلم الصفار.
وهو من شيوخ البخاري لكن أكثر ما يخرج عنه بواسطة، وهو من المعلقات التي لم يصلها في موضع آخر، وقد جزم أبو نعيم أنه أخرجه عنه بلا رواية، وعلى طريقة ابن الصلاح يكون موصولا.
وقد وصله أبو نعيم من طريق أبي داود الطيالسي وأبي قتيبة مسلم بن قتيبة كلاهما عن سليم بن حيان شيخ عفان فيه، وأخرجه أيضا من طريق عمرو بن مرزوق عن سليم لكن موقوفا ولم يستخرجه الإسماعيلي.
وقد وصله ابن خزيمة أيضا.
وسليم بفتح أوله وكسر ثانيه، وحيان بمهملة ثم تحتانية ثقيلة.
قوله: (لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر) كذا جمع الأربعة في هذه الرواية، ويأتي مثله سواء بعد عدة أبواب في " باب لا هامة " من طريق أبي صالح عن أبي هريرة، ويأتي بعد خمسة أبواب من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة مثله لكن بدون قوله: " ولا طيرة " وأعاده بعد أبواب كثيرة بزيادة قصة، وبعد عدة أبواب في " باب لا طيرة " من طريق عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة " لا طيرة " حسب، وفي " باب لا عدوى " من طريق سنان بن أبي سنان عن أبي هريرة بلفظ " لا عدوى " حسب، ولمسلم من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ " لا عدوى ولا هامة ولا طيرة".
وأخرج مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مثل رواية أبي سلمة وزاد " ولا نوء " ويأتي في " باب لا عدوى " من حديث ابن عمر، ومن حديث أنس " لا عدوى ولا طيرة"، ولمسلم وابن حيان من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرا بلفظ " لا عدوى ولا صفر ولا غول " وأخرج ابن حبان من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس مثل رواية سعيد بن ميناء وأبي صالح عن أبي هريرة وزاد فيه القصة التي في رواية أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو في ابن ماجه باختصار.
فالحاصل من ذلك ستة أشياء: العدوى والطيرة والهامة والصفر والغول والنوء، والأربعة الأول قد أفرد البخاري لكل واحد منها ترجمة فنذكر شرحها فيه وأما الغول فقال الجمهور: كانت العرب تزعم أن الغيلان في الفلوات، وهي *** من الشياطين تتراءى للناس وتتغول لهم تغولا أي تتلون تلونا فتضلهم عن الطريق فتهلكهم، وقد كثر في كلامهم " غالته الغول " أي أهلكته أو أضلته، فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك.
وقيل: ليس المراد إبطال وجود الغيلان، وإنما معناه إبطال ما كانت العرب تزعمه من تلون الغول بالصور المختلفة، قالوا: والمعني لا يستطيع الغول أن يضل أحدا.
ويؤيده حديث " إذا تغولت الغيلان فنادوا بالأذان " أي ادفعوا شرها بذكر الله.
وفي حديث أبي أيوب عند قوله: " كانت لي سهوة فيها تمر، فكانت الغول تجيء فتأكل منه " الحديث، وأما النوء فقد تقدم القول فيه في كتاب الاستسقاء، وكانوا يقولون " مطرنا بنوء كذا " فأبطل صلى الله عليه وسلم ذلك بأن المطر إنما يقع بإذن الله لا بفعل الكواكب، وإن كانت العادة جرت بوقوع المطر في ذلك الوقت، لكن بإرادة الله تعالى وتقديره، لا صنع للكواكب في ذلك، والله أعلم.
قوله (وفر من المجذوم كما تفر من الأسد) لم أقف عليه من حديث أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ومن وجه آخر عند أبي نعيم في الطب، لكنه معلول.
وأخرج ابن خزيمة في " كتاب التوكل " له شاهدا من حديث عائشة ولفظه " لا عدوى، وإذا رأيت المجذوم ففر منه كما تفر من الأسد " وأخرج مسلم من حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه قال: " كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد بايعناك، فارجع " قال عياض: اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع مجذوم وقال: ثقة بالله وتوكلا عليه " قال فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ.
وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية، قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز ا ه.
هكذا اقتصر القاضي ومن تبعه على حكاية هذين القولين، وحكى غيره قولا ثالثا وهو الترجيح، وقد سلكه فريقان: أحدهما سلك ترجيح الأخبار الدالة على نفي العدوى وتزييف الأخبار الدالة على عكس ذلك مثل حديث الباب فأعلوه بالشذوذ، وبأن عائشة أنكرت ذلك، فأخرج الطبري عنها " أن امرأة سألتها عنه فقالت: ما قال ذلك، ولكنه قال: لا عدوى.
وقال: فمن أعدى الأول؟ قالت: وكان لي مولى به هذا الداء فكان يأكل في صحافي ويشرب في أقداحي وينام على فراشي " وبأن أبا هريرة تردد في هذا الحكم كما سيأتي بيانه فيؤخذ الحكم من رواية غيره، وبأن الأخبار الواردة من رواية غيره في نفي العدوى كثيرة شهيرة بخلاف الأخبار المرخصة في ذلك، ومثل حديث " لا تديموا النظر إلى المجذومين " وقد أخرجه ابن ماجه وسنده ضعيف، ومثل حديث عبد الله بن أبي أوفى رفعه " كلم المجذوم وبينك وبينه قيد رمحين " أخرجه أبو نعيم في الطب بسند واه، ومثل ما أخرجه الطبري من طريق معمر عن الزهري " أن عمر قال لمعيقيب: اجلس مني قيد رمح " ومن طريق خارجة بن زيد كان عمر يقول نحوه، وهما أثران منقطعان، وأما حديث الشريد الذي أخرجه مسلم فليس صريحا في أن ذلك بسبب الجذام، والجواب عن ذلك أن طريق الترجيح لا يصار إليها إلا مع تعذر الجمع، وهو ممكن، فهو أولى.
الفريق الثاني سلكوا في الترجيح عكس هذا المسلك، فردوا حديث لا عدوى بأن أبا هريرة رجع عنه إما لشكه فيه وإما لثبوت عكسه عنده كما سيأتي إيضاحه في " باب لا عدوى " قالوا: والأخبار الدالة على الاجتناب أكثر مخارج وأكثر طوقا فالمصير إليها أولى، قالوا: وأما حديث جابر " أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فوضعها في القصعة وقال: كل ثقة بالله وتوكلا عليه " ففيه نظر، وقد أخرجه الترمذي وبين الاختلاف فيه على راويه ورجح وقفه على عمر، وعلى تقدير ثبوته فليس فيه أنه صلى الله عليه وسلم أكل معه، وإنما فيه أنه وضع يده في القصعة، قاله الكلاباذي في " معاني الأخبار".
والجواب أن طريق الجمع أولى كما تقدم، وأيضا فحديث لا عدوى ثبت من غير طريق أبي هريرة فصح عن عائشة وابن عمر وسعد بن أبي وقاص وجابر وغيرهم، فلا معنى لدعوى كونه معلولا، والله أعلم.
وفي طريق الجمع مسالك أخرى: أحدها: نفي العدوى جملة وحمل الأمر بالفرار من المجذوم على رعاية خاطر المجذوم، لأنه إذا رأى الصحيح البدن السليم من الآفة تعظم مصيبته وتزداد حسرته، ونحوه حديث " لا تديموا النظر إلى المجذومين " فإنه محمول على هذا المعنى.
ثانيها: حمل الخطاب بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين، فحيث جاء " لا عدوى " كان المخاطب بذلك من قوي يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن القوي اليقين لا يتأثر به، وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيعة العلة فتبطلها، وعلى هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة وسائر ما ورد من ***ه، وحيث جاء " فر من المجذوم " كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه، ولم يتمكن من تمام التوكل فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى، فأريد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه بأن لا يباشر ما يكون سببا لإثباتها.
وقريب من هذا كراهيته صلى الله عليه وسلم الكي مع إذنه فيه كما تقدم تقريره، وقد فعل هو صلى الله عليه وسلم كلا من الأمرين ليتأسى به كل من الطائفتين.
ثالث المسالك: قال القاضي أبو بكر الباقلاني: إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى، قال: فيكون معني قوله: " لا عدوى " أي إلا من الجذام والبرص والجرب مثلا، قال: فكأنه قال لا يعدي شيء شيئا إلا ما تقدم تبييني له أن فيه العدوى.
وقد حكى ذلك ابن بطال.
رابعها: أن الأمر بالفرار من المجذوم ليس من باب العدوى في شيء، بل هو لأمر طبيعي وهو انتقال الداء من جسد لجسد بواسطة الملامسة والمخالطة وشم الرائحة، ولذلك يقع في كثير من الأمراض في العادة انتقال الداء من المريض إلى الصحيح بكثرة المخالطة، وهذه طريقة ابن قتيبة فقال: المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومحادثته ومضاجعته، وكذا يقع كثيرا بالمرأة من الرجل وعكسه، وينزع الولد إليه، ولهذا يأمر الأطباء بترك مخالطة المجذوم لا على طريق العدوى بل على طريق التأثر بالرائحة لأنها تسقم من واظب اشتمامها، قال: ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يورد ممرض على مصح " لأن الجرب الرطب قد يكون بالبعير، فإذا خالط الإبل أو حككها وأوى إلى مباركها وصل إليها بالماء الذي يسيل منه، وكذا بالنظر نحو ما به.
قال: وأما قوله: " لا عدوى " فله معنى آخر، وهو أن يقع المرض بمكان كالطاعون فيفر منه مخافة أن يصيبه، لأن فيه نوعا من الفرار من قدر الله.
المسلك الخامس: أن المراد ينفي العدوى أن شيئا لا يعدي بطبعه نفيا لما كانت الجاهلية تعتقده أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله، فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك وأكل مع المجذوم ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي، ونهاهم عن الدنو منه ليبين لهم أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها فلا تؤثر شيئا، وإن شاء أبقاها فأثرت، ويحتمل أيضا أن يكون أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم أنه كان به أمر يسير لا يعدي مثله في العادة، إذا ليس الجذمي كلهم سواء، ولا تحصل العدوى من جميعهم بل لا يحصل منه في العادة عدوى أصلا كالذي أصابه شيء من ذلك ووقف فلم يعد بقية جسمه فلا يعدي.
وعلى الاحتمال الأول جرى أكثر الشافعية، قال البيهقي بعد أن أورد قول الشافعي ما نصه: الجذام والبرص يزعم أهل العلم بالطب والتجارب أنه يعدي الزوج كثيرا، وهو داء مانع للجماع لا تكاد نفس أحد تطيب بمجامعة من هو به ولا نفس امرأة أن يجامعها من هو به، وأما الولد فبين أنه إذا كان من ولده أجذم أو أبرص أنه قلما يسلم، وإن سلم أدرك نسله.
قال البيهقي: وأما ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا عدوى " فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى.
وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه العيوب سببا لحدوث ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " فر من المجذوم فرارك من الأسد " وقال: " لا يورد ممرض على مصح " وقال في الطاعون " من سمع به بأرض فلا يقدم عليه " وكل ذلك بتقدير الله تعالى.
وتبعه على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين ومن بعده وطائفة ممن قبله.
المسلك السادس: العمل بنفي العدوى أصلا ورأسا، وحمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة وسد الذريعة لئلا يحدث للمخالط شيء من ذلك فيظن أنه بسبب المخالطة فيثبت العدوى التي نفاها الشارع، وإلى هذا القول ذهب أبو عبيد وتبعه جماعة فقال أبو عبيد: ليس في قوله: " لا يورد ممرض على مصح " إثبات العدوى، بل لأن الصحاح لو مرضت بتقدير الله تعالى ربما وقع في نفس صاحبها أن ذلك من العدوى فيفتتن ويتشكك في ذلك، فأمر باجتنابه.
قال: وكان بعض الناس يذهب إلى أن الأمر بالاجتناب إنما هو للمخافة على الصحيح من ذوات العاهة، قال: وهذا شر ما حمل عليه الحديث، لأن فيه إثبات العدوى التي نفاها الشارع، ولكن وجه الحديث عندي ما ذكرته.
وأطنب ابن خزيمة في هذا في " كتاب التوكل " فإنه أورد حديث " لا عدوى " عن عدة من الصحابة وحديث " لا يورد ممرض على مصح " من حديث أبي هريرة وترجم للأول " التوكل على الله في نفي العدوى " وللثاني " ذكر خبر غلط في معناه بعض العلماء، وأثبت العدوى التي نفاها النبي صلى الله عليه وسلم " ثم ترجم " الدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد إثبات العدوى بهذا القول " فساق حديث أبي هريرة " لا عدوى، فقال أعرابي: فما بال الإبل يخالطها الأجرب فتجرب؟ قال: فمن أعدى الأول " ثم ذكر طرقه عن أبي هريرة، ثم أخرجه من حديث ابن مسعود، ثم ترجم " ذكر خبر روي في الأمر بالفرار من المجذوم قد يخطر لبعض الناس أن فيه إثبات العدوى وليس كذلك " وساق حديث " فر من المجذوم فرارك من الأسد " من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة، وحديث عمرو بن الشريد عن أبيه في أمر المجذوم بالرجوع، وحديث ابن عباس " لا تديموا النظر إلى المجذومين " ثم قال: إنما أمرهم صلى الله عليه وسلم بالفرار من المجذوم كما نهاهم أن يورد الممرض على المصح شفقة عليهم، وخشية أن يصيب بعض من يخالطه المجذوم الجذام، والصحيح من الماشية الجرب فيسبق إلى بعض المسلمين أن ذلك من العدوى فيثبت العدوى التي نفاها صلى الله عليه وسلم فأمرهم بتجنب ذلك شفقة منه ورحمة ليسلموا من التصديق بإثبات العدوى، وبين لهم أنه لا يعدي شيء شيئا.
قال: ويؤيد هذا أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم ثقة بالله وتوكلا عليه، وساق حديث جابر في ذلك ثم قال: وأما نهيه عن إدامة النظر إلى المجذوم فيحتمل أن يكون لأن المجذوم يغتم ويكره إدمان الصحيح نظره إليه، لأنه قل من يكون به داء إلا وهو يكره أن يطلع عليه ا ه.

وهذا الذي ذكره احتمالا سبقه إليه مالك، فإنه سئل عن هذا الحديث فقال: ما سمعت فيه بكراهية، وما أدري ما جاء من ذلك إلا مخافة أن يقع في نفس المؤمن شيء.
وقال الطبري: الصواب عندنا القول بما صح به الخبر، وأن لا عدوى، وأنه لا يصيب نفسا إلا ما كتب عليها.
وأما دنو عليل من صحيح فغير موجب انتقال العلة للصحيح، إلا أنه لا ينبغي لذي صحة الدنو من صاحب العاهة التي يكرهها الناس، لا لتحريم ذلك، بل لخشية أن يظن الصحيح أنه لو نزل به ذلك الداء أنه من جهة دنوه من العليل فيقع فيما أبطله النبي صلى الله عليه وسلم من العدوى.
قال: وليس في أمره بالفرار من المجذوم معارضة لأكله معه، لأنه كان يأمر بالأمر على سبيل الإرشاد أحيانا وعلى سبيل الإباحة أخرى، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام، إنما كان يفعل ما نهى عنه أحيانا لبيان أن ذلك ليس حراما.
وقد سلك الطحاوي في " معاني الآثار " مسلك ابن خزيمة فيما ذكره فأورد حديث " لا يورد ممرض على مصح " ثم قال: معناه أن المصح قد يصيبه ذلك المرض فيقول الذي أورده لو أني ما أوردته عليه لم يصبه من هذا المرض شيء، والواقع أنه لو لم يورده لأصابه لكون الله تعالى قدره، فنهى عن إيراده لهذه العلة التي لا يؤمن غالبا من وقوعها في قلب المرء ثم ساق الأحاديث في ذلك فأطنب، وجمع بينها بنحو ما جمع به ابن خزيمة.
ولذلك قال القرطبي في " المفهم ": إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إيراد الممرض على المصح مخافة الوقوع فيما وقع فيه أهل الجاهلية من اعتقاد العدوى، أو مخافة تشويش النفوس وتأثير الأوهام، وهو نحو قوله: " فر من المجذوم فرارك من الأسد " وإن كنا نعتقد أن الجذام لا يعدي، لكنا نجد في أنفسنا نفرة وكراهية لمخالطته، حتى لو أكره إنسان نفسه على القرب منه وعلى مجالسته لتأذت نفسه بذلك، فحينئذ فالأولى للمؤمن أن لا يتعرض إلى ما يحتاج فيه إلى مجاهدة، فيجتنب طرق الأوهام، ويباعد أسباب الآلام، مع أنه يعتقد أنه لا ينحي حذر من قدر، والله أعلم.
قال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: الأمر بالفرار من الأسد ليس للوجوب، بل للشفقة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى أمته عن كل ما فيه ضرر بأي وجه كان، ويدلهم على كل ما فيه خير.
وقد ذكر بعض أهل الطب أن الروائح تحدث في الأبدان خللا فكان هذا وجه الأمر بالمجانبة، وقد أكل هو مع المجذوم، فلو كان الأمر بمجانبته على الوجوب لما فعله.
قال: ويمكن الجمع بين فعله وقوله بأن القول هو المشروع من أجل ضعف المخاطبين، وفعله حقيقة الإيمان، فمن فعل الأول أصاب السنة وهي أثر الحكمة، ومن فعل الثاني كان أقوى يقينا لأن الأشياء كلها لا تأثير لها إلا بمقتضى إرادة الله تعالى وتقديره، كما قال تعالى: (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) فمن كان قوي اليقين فله أن يتابعه صلى الله عليه وسلم في فعله ولا يضره شيء، ومن وجد في نفسه ضعفا فليتبع أمره في الفرار لئلا يدخل بفعله في إلقاء نفسه إلى التهلكة.
فالحاصل أن الأمور التي يتوقع منها الضرر وقد أباحت الحكمة الربانية الحذر منها فلا ينبغي للضعفاء أن يقربوها وأما أصحاب الصدق واليقين فهم في ذلك بالخيار.
قال: وفي الحديث أن الحكم للأكثر لأن الغالب من الناس هو الضعف، فجاء الأمر بالفرار بحسب ذلك.
واستدل بالأمر بالفرار من المجذوم لإثبات الخيار للزوجين في فسخ النكاح إذا وجده أحدهما بالآخر، وهو قول جمهور العلماء.
وأجاب فيه من لم يقل بالفسخ بأنه لو أخذ بعمومه لثبت الفسخ إذا حدث الجذام ولا قائل به، ورد بأن الخلاف ثابت، بل هو الراجح عند الشافعية، وقد تقدم في النكاح الإلمام بشيء من هذا.
واختلف في أمة الأجذم: هل يجوز لها أن تمنع نفسها من استمتاعه إذا أرادها؟ واختلف العلماء في المجذومين إذا كثروا هل يمنعون من المساجد والمجامع؟ وهل يتخذ لهم مكان منفرد عن الأصحاء؟ ولم يختلفوا في النادر أنه لا يمنع ولا في شهود الجمعة.

باب الْمَنُّ شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ
الشرح:
قوله: (باب المن شفاء للعين) كذا للاكثر.
وفي رواية الاصيلي " شفاء من العين " وعليها شرح ابن بطال، ويأتي توجيهها.
وفي هذه الترجمة إشارة إلى ترجيح القول الصائر إلى أن المراد بالمن في حديث الباب الصنف المخصوص من المأكول، لا المصدر الذي بمعني الامتنان، وإنما أطلق على المن شفاء لان الخبر ورد أن الكمأة منه وفيها شفاء فإذا ثبت الوصف للفرع كان ثبوته للاصل أولى.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ سَمِعْتُ عَمْرُو بْنَ حُرَيْثٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ قَالَ شُعْبَةُ وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْعُرَنِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ شُعْبَةُ لَمَّا حَدَّثَنِي بِهِ الْحَكَمُ لَمْ أُنْكِرْهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمَلِكِ
الشرح:
قوله: (عن عبد الملك) هو ابن عمير، وصرح به أحمد في روايته عن محمد بن جعفر غندر، وعمرو بن حريث هو المخزومي له صحبة.
قوله: (سمعت سعيد بن زيد) أي ابن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة، وعمر بن الخطاب بن نفيل ابن عم أبيه.
كذا قال عبد الملك بن عمير ومن تابعه، وخالفهم عطاء بن السائب من رواية عبد الوارث عنه فقال: " عن عمرو بن حريث عن أبيه " أخرجه مسدد في مسنده وابن السكن في الصحابة والدار قطني في " الافراد " وقال في " العلل"، الصواب رواية عبد الملك.
وقال ابن السكن أظن عبد الوارث أخطأ فيه.
وقيل: كان سعيد بن زيد تزوج أم عمرو بن حريث فكأنه قال: " حدثني أبي " وأراد زوج أمه مجازا فظنه الراوي أباه حقيقة.
قوله: (الكمأة) بفتح الكاف وسكون الميم بعدها همزة مفتوحة، قال الخطابي: وفي العامة من لا يهمزه، واحدة الكمء بفتح ثم سكون ثم همزة مثل تمرة وتمر، وعكس ابن الاعرابي فقال: الكمأة الجمع والكمء على غير قياس، قال: ولم يقع في كلامهم نظير هذا سوى خبأة وخبء.
وقيل: الكمأة قد تطلق على الواحد وعلى الجمع، وقد جمعوها على أكمؤ، قال الشاعر: ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا والعساقل بمهملتين وقاف ولام الشراب، وكأنه أشار إلى أن الاكمؤ محل وجدانها الفلوات.
والكمأة نبات لا ورق لها ولا ساق، توجد في الارض من غير أن تزرع.
قيل: سميت بذلك لاستتارها، يقال كمأ الشهادة إذا كتمها.
ومادة الكمأة من جوهر أرضي بخاري يحتقن نحو سطح الارض ببرد الشتاء وينميه مطر الربيع فيتولد ويندفع متجسدا، ولذلك كان بعض العرب يسميها جدري الارض تشبيها لها بالجدري مادة وصورة، لان مادته رطوبة دموية تندفع غاليا عند الترعرع وفي ابتداء استيلاء الحرارة ونماء القوة ومشابهتها له في الصورة ظاهر.
وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة " أن ناسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: الكمأة جدري الارض، فقال النبي صلى الله عليه وسلم الكمأة من المن " الحديث.
وللطبري من طريق ابن المنكدر عن جابر قال: " كثرت الكمأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامتنع قوم من أكلها وقالوا: هي جدري الارض، فبلغه ذلك فقال: إن الكمأة ليست من جدري الارض، ألا إن الكمأة من المن " والعرب تسمي الكمأة أيضا بنات الرعد لانها تكثر بكثرته ثم تنفطر عنها الارض.
وهي كثيرة بأرض العرب، وتوجد بالشام ومصر، فأجودها ما كانت أرضه رملة قليلة الماء، ومنها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة.
وهي باردة رطبة في الثانية رديئة للمعدة بطيئة الهضم، وإدمان أكلها يورث القولنج والسكتة والفالج وعسر البول، والرطب منها أقل ضررا من اليابس، وإذا دفنت في الطين الرطب ثم سلقت بالماء والملح والسعتر وأكلت بالزيت والتوابل الحارة قل ضررها، ومع ذلك ففيها جوهر مائي لطيف بدليل خفتها، فلذلك كان ماؤها شفاء للعين.
قوله: (من المن) قيل في المراد بالمن ثلاثة أقوال: أحدها: أن المراد أنها من المن الذي أنزل على بني إسرائيل، وهو الطل الذي يسقط على الشجر فيجمع ويؤكل حلوا، ومنه الترنجبين فكأنه شبه به الكمأة بجامع ما بينهما من وجود كل منهما عفوا بغير علاج.
قلت: وقد تقدم بيان ذلك واضحا في تفسير سورة البقرة، وذكرت من زاد في متن هذا الحديث " الكمأة من المن الذي أنزل على بني إسرائيل".
والثاني: أن المعنى أنها من المن الذي امتن الله به على عباده عفوا بغير علاج، قاله أبو عبيد وجماعة.
وقال الخطابي: ليس المراد أنها نوع من المن الذي أنزل على بني إسرائيل، فإن الذي أنزل على بني إسرائيل كان كالترنجبين الذي يسقط على الشجر، وإنما المعنى أن الكمأة شيء ينبت من غير تكلف ببذر ولا سقي، فهو من قبيل المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل فيقع على الشجر فيتناولونه.
ثم أشار إلى أنه يحتمل أن يكون الذي أنزل على بني إسرائيل كان أنواعا، منها ما يسقط على الشجر، ومنها ما يخرج من الارض فتكون الكمأة منه، وهذا هو القول الثالث وبه جزم الموفق عبد اللطيف البغدادي ومن تبعه فقالوا: إن المن الذي أنزل على بني إسرائيل ليس هو ما يسقط على الشجر فقط بل كان أنواعا من الله عليهم بها من النبات الذي يوجد عفوا، ومن الطير التي تسقط عليهم بغير اصطياد، ومن الطل الذي يسقط على الشجر.
والمن مصدر بمعني المفعول أي ممنون به، فلما لم يكن للعبد فيه شائبة كسب كان منا محضا، وإن كانت جميع نعم الله تعالى على عبيده منا منه عليهم، لكن خص هذا باسم المن لكونه لا صنع فيه لاحد، فجعل سبحانه وتعالى قوتهم في التيه الكمأة وهي تقوم مقام الخبز، وأدمهم السلوى وهي تقوم مقام اللحم، وحلواهم الطل الذي ينزل على الشجر، فكمل بذلك عيشهم.
ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "من المن " فأشار إلى أنها فرد من أفراده، فالترنجبين كذلك فرد من أفراد المن، وإن غلب استعمال المن عليه عرفا ا ه.
ولا يعكر على هذا قولهم: (لن نصبر على طعام واحد) لان المراد بالوحدة دوام الاشياء المذكورة من غير تبدل وذلك يصدق على ما إذا كان المطعوم أصنافا لكنها لا تتبدل أعيانها.
قوله: (وماؤها شفاء للعين) كذا للاكثر وكذا عند مسلم.
وفي رواية المستملي " من العين " أي شفاء من داء العين، قال الخطابي: إنما اختصت الكمأة بهذه الفضيلة لانها من الحلال المحض الذي ليس في اكتسابه شبهة، ويستنبط منه أن استعمال الحلال المحض يجلو البصر، والعكس بالعكس.
قال ابن الجوزي: في المراد بكونها شفاء للعين قولان: أحدهما: أنه ماؤها حقيقة، إلا أن أصحاب هذا القول اتفقوا على أنه لا يستعمل صرفا في العين، لكن اختلفوا كيف يصنع به على رأيين: أحدهما: أنه يخلط في الادوية التي يكتحل بها حكاه أبو عبيد، قال: ويصدق هذا الذي حكاه أبو عبيد أن بعض الاطباء قالوا: أكل الكمأة يجلو البصر، ثانيهما: أن تؤخذ فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، ثم يؤخذ الميل فيجعل في ذلك الشق وهو فاتر فيكتحل بمائها، لان النار تلطفه وتذهب فضلاته الرديئة ويبقى النافع منه، ولا يجعل الميل في مائها وهي باردة يابسة فلا ينجع، وقد حكى إبراهيم الحربي عن صالح وعبد الله ابني أحمد بن حنبل أنهما اشتكت أعينهما فأخذا كمأة وعصراها واكتحلا بمائها فهاجت أعينهما ورمدا.
قال ابن الجوزي: وحكى شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي أن بعض الناس عصر ماء كمأة فاكتحل به فذهبت عينه.
والقول الثاني أن المراد ماؤها الذي تنبت به، فإنه أول مطر يقع في الارض فتربى به الاكحال حكاه ابن الجوزي عن أبي بكر بن عبد الباقي أيضا، فتكون الاضافة إضافة الكل لا إضافة جزء.
قال ابن القيم: وهذا أضعف الوجوه.
قلت: وفيما ادعاه ابن الجوزي من الاتفاق على أنها لا تستعمل صرفا نظر، فقد حكى عياض عن بعض أهل الطب في التداوي بماء الكمأة تفصيلا، وهو إن كان لتبريد ما يكون بالعين من الحرارة فتستعمل مفردة، وإن كان لغير ذلك فتستعمل مركبة، وبهذا جزم ابن العربي فقال: الصحيح أنه ينفع بصورته في حال، وبإضافته في أخرى، وقد جرب ذلك فوجد صحيحا.
نعم جزم الخطابي بما قال ابن الجوزي فقال: تربى بها التوتياء وغيرها من الاكحال، قال: ولا تستعمل صرفا فإن ذلك يؤذي العين.
وقال الغافقي في " المفردات ": ماء الكمأة أصلح الادوية للعين إذا عجن به الاثمد واكتحل به، فإنه يقوي الجفن، ويزيد الروح الباصر حدة وقوة، ويدفع عنها النوازل.
وقال النووي: الصواب أن ماءها شفاء للعين مطلقا فيعصر ماؤها ويجعل في العين منه، قال: وقد رأيت أنا وغيري في زماننا من كان عمي وذهب بصره حقيقة فكحل عينه بماء الكمأة مجردا فشفي وعاد إليه بصره، وهو الشيخ العدل الامين الكمال بن عبد الدمشقي صاحب صلاح ورواية في الحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادا في الحديث وتبركا به فنفعه الله به.
قلت: الكمال المذكور هو كمال الدين بن عبد العزيز بن عبد المنعم بن الخضر يعرف بابن عبد بغير إضافة الحارثي الدمشقي من أصحاب أبي طاهر الخشوعي، سمع منه جماعة من شيوخ شيوخنا، عاش ثلاثا وثمانين سنة ومات سنة اثنتين وسبعين وستمائة قبل النووي بأربع سنين.
وينبغي تقييد ذلك بمن عرف من نفسه قوة اعتقاد في صحة الحديث والعمل به كما يشير إليه آخر كلامه، وهو ينافي قوله أولا مطلقا، وقد أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح إلى قتادة قال: حدثت أن أبا هريرة قال: أخذت ثلاثة أكمؤ أو خمسا أو سبعا فعصرتهن فجعلت ماءهن في قارورة فكحلت به جارية لي فبرئت.
وقال ابن القيم: اعترف فضلاء الاطباء أن ماء الكمأة يجلو العين، منهم المسبحي وابن سينا وغيرهما.
والذي يزيل الاشكال عن هذا الاختلاف أن الكمأة وغيرها من المخلوقات خلقت في الاصل سليمة من المضار، ثم عرضت لها الافات بأمور أخرى من مجاورة أو امتزاج أو غير ذلك من الاسباب التي أرادها الله تعالى، فالكمأة في الاصل نافعة لما اختصت به من وصفها بأنها من الله، وإنما عرضت لها المضار بالمجاورة، واستعمال كل ما وردت به السنة بصدق ينتفع به من يستعمله، ويدفع الله عنه الضرر بنبته، والعكس بالعكس، والله أعلم.
قوله: (وقال شعبة) كذا لابي ذر بواو في أوله وصورته صورة التعليق، وسقطت الواو لغيره، وهو أولى فإنه موصول بالاسناد المذكور، وقد أخرجه مسلم عن محمد بن المثني شيخ البخاري فيه فأعاد الاسناد من أوله للطريق الثانية، وكذا أورده أحمد عن محمد بن جعفر بالاسنادين معا.

قوله: (وأخبرني الحكم) هو ابن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغر والحسن العرني بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون هو ابن عبد الله البجلي، كوفي وثقه أبو زرعة والعجلي وابن سعد.
وقال ابن معين صدوق.
قلت: وما له في البخاري إلا هذا الموضع.
قوله: (قال شعبة لما حدثني به الحكم لم أنكره من حديث عبد الملك) كأنه أراد أن عبد الملك كبر وتغير حفظه، فلما حدث به شعبة توقف فيه، فلما تابعه الحكم بروايته ثبت عند شعبة فلما ينكره، وانتفى عنه التوقف فيه.
وقد تكلف الكرماني لتوجيه كلام شعبة أشياء فيها نظر.
أحدها: أن الحكم مدلس وقد عنعن، وعبد الملك صرح بقوله: " سمعته " فلما تقوى برواية عبد الملك لم يبق به محل للانكار.
قلت: شعبة ما كان يأخذ عن شيوخه الذين ذكر عنهم التدليس إلا ما يتحقق سماعهم فيه، وقد جزم بذلك الاسماعيلي وغيره ببعد هذا الاحتمال، وعلى تقدير تسليمه كان يلزم الامر بالعكس بأن يقول لما حدثني عبد الملك لم أنكره من حديث الحكم.
ثانيها: لما يكن الحديث منكورا لي لاني كنت أحفظه.
ثالثها: يحتمل العكس بأن يراد لم ينكر شيئا من حديث عبد الملك، وقد ساق مسلم هذه الطريق من أوجه أخرى عن الحكم.
ووقع عنده في المتن " من المن الذي أنزل على بني إسرائيل " وفي لفظ " على موسى " وقد أشرت إلى ما في هذه الزيادة من الفائدة في الكلام على هذا الحديث في تفسير سورة البقرة.

باب اللَّدُودِ
الشرح:
قوله: (باب اللدود) بفتح اللام وبمهملتين: هو الدواء الذي يصب في أحد جانبي فم المريض.
واللدود بالضم الفعل.
ولددت المريض فعلت ذلك به.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَبَّلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَيِّتٌ قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَدَدْنَاهُ فِي مَرَضِهِ فَجَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ لا تَلُدُّونِي فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدُّونِي قُلْنَا كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَقَالَ لا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلا لُدَّ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلا الْعَبَّاسَ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ
الشرح:
تقدم شرح الحديث مستوفى في " باب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم " وبيان ما لدوه به، وبيان من عرف اسمه ممن كان في البيت ولد لامره صلى الله عليه وسلم: بذلك فأغنى عن إعادته.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ قَالَتْ دَخَلْتُ بِابْنٍ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَقَالَ عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلاقِ عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ يُسْعَطُ مِنْ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ فَسَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ بَيَّنَ لَنَا اثْنَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا خَمْسَةً قُلْتُ لِسُفْيَانَ فَإِنَّ مَعْمَراً يَقُولُ أَعْلَقْتُ عَلَيْهِ قَالَ لَمْ يَحْفَظْ إِنَّمَا قَالَ أَعْلَقْتُ عَنْهُ حَفِظْتُهُ مِنْ فِي الزُّهْرِيِّ وَوَصَفَ سُفْيَانُ الْغُلامَ يُحَنَّكُ بِالاصْبَعِ وَأَدْخَلَ سُفْيَانُ فِي حَنَكِهِ إِنَّمَا يَعْنِي رَفْعَ حَنَكِهِ بِإِصْبَعِهِ وَلَمْ يَقُلْ أَعْلِقُوا عَنْهُ شَيْئاً
الشرح:
الحديث سيأتي شرحه في " باب العذرة " قريبا.

باب
الحديث:
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ وَيُونُسُ قَالَ الزُّهْرِيُّ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاهُ فِي الارْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَآخَرَ فَأَخْبَرْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ هَلْ تَدْرِي مَنْ الرَّجُلُ الاخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ قُلْتُ لا قَالَ هُوَ عَلِيٌّ قَالَتْ عَائِشَةُ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهَا وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إِلَى النَّاسِ قَالَتْ فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْقِرَبِ حَتَّى جَعَلَ يُشِيرُ إِلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ قَالَتْ وَخَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَصَلَّى لَهُمْ وَخَطَبَهُمْ
الشرح:
قوله: (باب) كذا لهم بغير ترجمة، وذكر فيه حديث عائشة " لما ثقل النبي صلى الله عليه وسلم واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي " الحديث، وقد تقدم شرحه في الوفاة النبوية، ومن قبل ذلك في كتاب الطهارة، والغرض منه هنا قوله: " هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن " وقد تقدم بيان الحكمة فيه في الطهارة، وقد استشكل ابن بطال مناسبة حديث هذا الباب لترجمة الذي قبله بعد أن تقرر أن الباب إذا كان بلا ترجمة يكون كالفصل من الذي قبله، وأجاب باحتمال أن يكون أشار إلى أن الذي يفعل بالمريض بأمره لا يلزم فاعل ذلك لوم ولا قصاص، لانه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بصب الماء على كل من حضره بخلاف ما نهى عنه أن لا يفعل به لان فعله جناية عليه فيكون فيه القصاص.
قلت: ولا يخفى بعده.
ويمكن أن يقرب بأن يقال أولا إنه أشار إلى أن الحديث عن عائشة في مرض النبي صلى الله عليه وسلم وما اتفق له فيه واحد ذكره بعض الرواة تاما واقتصر بعضهم على بعضه، وقصة اللدود كانت عندما أغمي عليه، وكذلك قصة السبع قرب، لكن اللدود كان نهي عنه ولذلك عاتب عليه، بخلاف الصب فإنه كان أمر فلم ينكر عليهم، فيؤخذ منه أن المريض إذا كان عارفا لا يكره على تناول شيء ينهى عنه ولا يمنع من شيء يأمر به.

باب الْعُذْرَةِ
الشرح:
قوله: (باب العذرة) بضم المهملة وسكون الذال المعجمة: هو وجع الحلق، وهو الذي يسمى سقوط اللهاة، وقيل: هو اسم اللهاة والمراد وجعها سمي باسمها، وقيل: هو موضع قريب من اللهاة.
واللهاة بفتح اللام اللحمة التي في أقصى الحلق.
الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ الاسَدِيَّةَ أَسَدَ خُزَيْمَةَ وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الاوَلِ اللاتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ أُخْتُ عُكَاشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لَهَا قَدْ أَعْلَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلادَكُنَّ بِهَذَا الْعِلاقِ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ يُرِيدُ الْكُسْتَ وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ وَقَالَ يُونُسُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَلَّقَتْ عَلَيْهِ
الشرح:
قوله: (وكانت من المهاجرات الخ) يشبه أن يكون الوصف من كلام الزهري فيكون مدرجا، ويحتمل، أن يكون من كلام شيخه فيكون موصولا وهو الظاهر.
قوله: (بابن لها) تقدم في " باب السعوط " أنه الابن الذي بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (قد أعلقت عليه) تقدم قبل بباب من رواية سفيان بن عيينة عن الزهري بلفظ " أعلقت عنه " وفيه " قلت لسفيان فإن معمرا يقول أعلقت عليه، قال: لم يحفظ، إنما قال: أعلقت عنه.
حفظته من في الزهري " ووقع هنا معلقا من رواية يونس وهو ابن يزيد، وإسحاق بن راشد عن الزهري " علقت عليه " بتشديد اللام والصواب " أعلقت " والاسم العلاق بفتح المهملة.
وكذا وقع في رواية سفيان الماضية " بهذا العلاق " كذا للكشميهني، ولغيره " الاعلاق " ورواية يونس المعلقة هنا وصلها أحمد ومسلم، ورواية إسحاق بن راشد وصلها المؤلف في " باب ذات الجنب " وسيأتي قريبا.
ورواية معمر التي سأل عنها علي بن عبد الله سفيان أخرجها أحمد عن عبد الرزاق عنه لكن بلفظ " جئت بابن لي قد أعلقت عنه " قال عياض: وقع في البخاري أعلقت وعلقت والعلاق والاعلاق، ولم يقع في مسلم إلا " أعلقت " وذكر العلاق في رواية والاعلاق في رواية والكل بمعنى جاءت به الروايات، لكن أهل اللغة إنما يذكرون أعلقت؛ والاعلاق رباعي، وتفسيره غمز العذرة وهي اللهاة بالاصبع، ووقع في رواية يونس عند مسلم " قال أعلقت غمزت " وقوله في الحديث " علام " أي لاي شيء.
قوله: (تدغرن) خطاب للنسوة، وهو بالغين المعجمة والدال المهملة، والدغر غمز الحلق.
قوله: (عليكم) في رواية الكشميهني " عليكن".
قوله: (بهذا العود الهندي، يريد الكست) في رواية إسحاق بن راشد " يعني القسط قال وهي لغة " قلت: وقد تقدم ما فيها في " باب السعوط بالقسط الهندي"، ووقع في رواية سفيان الماضية قريبا " قال فسمعت الزهري يقول: بين لنا اثنتين، ولم يبين لنا خمسة " يعني من السبعة في قوله: " فإن فيه سبعة أشفية " فذكر منها ذات الجنب ويسعط من العذرة.
قلت: وقد قدمت في " باب السعوط " من كلام الاطباء ما لعله يؤخذ منه الخمسة المشار إليها.

باب دَوَاءِ الْمَبْطُونِ
الشرح:
قوله: (باب دواء المبطون) المراد بالمبطون من اشتكى بطنه لافراط الاسهال، وأسباب ذلك متعددة.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ فَقَالَ اسْقِهِ عَسَلا فَسَقَاهُ فَقَالَ إِنِّي سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلا اسْتِطْلاقاً فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ تَابَعَهُ النَّضْرُ عَنْ شُعْبَةَ
الشرح:
قوله: (قتادة عن أبي المتوكل) كذا لشعبة وسعيد بن أبي عروبة.
وخالفهما شيبان فقال: " عن قتادة عن أبي بكر الصديق عن أبي سعيد " أخرجه النسائي ولم يرجح، والذي يظهر ترجيح طريق أبي المتوكل لاتفاق الشيخين عليها شعبة وسعيد أولا ثم البخاري ومسلم ثانيا، ووقع في رواية أحمد عن حجاج عن شعبة " عن قتادة سمعت أبا المتوكل".
قوله: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن أخي) لم أقف على اسم واحد منهما.
قوله: (استطلق بطنه) بضم المثناة وسكون الطاء المهملة وكسر اللام بعدها قاف، أي كثر خروج ما فيه، يريد الاسهال.
ووقع في رواية سعيد بن أبي عروبة في رابع باب من كتاب الطب " هذا ابن أخي يشتكي بطنه " ولمسلم من طريقه " قد عرب بطنه " وهي بالعين المهملة والراء المكسورة ثم الموحدة أي فسد هضمه لاعتلال المعدة، ومثله ذرب بالذال المعجمة بدل العين وزنا ومعنى.
قوله: (فقال اسقه عسلا) وعند الاسماعيلي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة " اسقه العسل " واللام عهدية، والمراد عسل النحل، وهو مشهور عندهم، وظاهره الامر بسقيه صرفا، ويحتمل أن يكون ممزوجا.
قوله: (فسقاه فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا) كذا فيه، وفي السياق حذف تقديره.
فسقاه فلم يبرأ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني سقيته، ووقع في رواية مسلم " فسقاه ثم جاء فقال: إني سقيته فلم يزدد إلا استطلاقا " أخرجه عن محمد بن بشار الذي أخرجه البخاري عنه ولكن قرنه بمحمد بن المثنى وقال: إن اللفظ لمحمد بن المثنى.
نعم أخرجه الترمذي عن محمد بن بشار وحده بلفظ " ثم حاء فقال: يا رسول الله، إني قد سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا".
قوله: (فقال صدق الله) كذا اختصره.
وفي رواية الترمذي " فقال اسقه عسلا، فسقاه، ثم جاء " فذكر مثله فقال: " صدق الله " وفي رواية مسلم " فقال له ثلاث مرات، ثم جاء الرابعة فقال: اسقه عسلا فقال سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال صدق الله " وعند أحمد عن يزيد بن هارون عن شعبة " فذهب ثم جاء فقال: قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، فقال: اسقه عسلا فسقاه " كذلك ثلاثا وفيه " فقال في الرابعة اسقه عسلا " وعند الاسماعيلي من رواية خالد بن الحارث ثلاث مرات يقول فيهن ما قال في الاولى.
وتقدم في رواية سعيد بن أبي عروبة بلفظ " ثم أتاه الثانية فقال اسقه عسلا ثم أتاه الثالثة".
قوله: (فقال صدق الله وكذب بطن أخيك) زاد مسلم في روايته " فسقا فبرأ " وكذا للترمذي.
وفي رواية أحمد عن يزيد بن هارون، فقال في الرابعة اسقه عسلا، قال: فأظنه قال فسقاه فبرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرابعة: صدق الله وكذب بطن أخيك " كذا وقع ليزيد بالشك وفي رواية خالد بن الحارث " فقال في الرابعة صدق الله وكذب بطن أخيك " والذي اتفق عليه محمد بن جعفر ومن تابعه أرجح، وهو أن هذا القول وقع منه صلى الله عليه وسلم بعد الثالثة، وأمره أن يسقيه عسلا فسقاه في الرابعة فبرأ.
وقد وقع في رواية سعيد بن أبي عروبة " ثم أتاه الثالثة فقال اسقه عسلا، ثم أتاه فقال: قد فعلت، فسقاه فبرأ".
قوله: (تابعه النضر) يعني ابن شميل بالمعجمة مصغر (عن شعبة) وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن النضر، قال الاسماعيلي: وتابعه أيضا يحيى بن سعيد وخالد بن الحارث ويزيد بن هارون.
قلت: رواية يحيى عند النسائي في " الكبرى " ورواية خالد عند الاسماعيلي عن أبي يعلى، ورواية يزيد عند أحمد وتابعهم أيضا حجاج بن محمد وروح بن عبادة وروايتهما عند أحمد أيضا، قال الخطابي وغيره: أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ، يقال كذب سمعك أي زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له، فمعنى كذب بطنه أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه، وقد اعترض بعض الملاحدة فقال: العسل مسهل فكيف يوصف لمن وقع به الاسهال؟ والجواب أن ذلك جهل من قائله، بل هو كقوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) فقد اتفق الاطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة، وعلى أن الاسهال يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها، فإن احتاجت إلى مسهل معين أعينت ما دام بالعليل قوة، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه عن تخمة أصابته فوصف له النبي صلى الله عليه وسلم العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والامعاء لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها، وللمعدة خمل كخمل المنشفة، فإذا علقت بها الاخلاط اللزجة أفسدتها وأفسدت الغذاء الواصل إليها، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الاخلاط، ولا شيء في ذلك مثل العسل، لا سيما إن مزج بالماء الحار، وإنما لم يفده في أول مرة لان الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء، إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررا آخر فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفي بمقاومة الداء، فأمره بمعاودة سقيه، فلما تكررت الشربات بحسب مادة الداء برأ بإذن الله تعالى.
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: " وكذب بطن أخيك " إشارة إلى أن هذا الدواء نافع، وأن بقاء الداء ليس لقصور الدواء في نفسه ولكن لكثرة المادة الفاسدة، فمن ثم أمره بمعاودة شرب العسل لاستفراغها، فكان كذلك، وبرأ بإذن الله.
قال الخطابي: والطب نوعان، طب اليونان وهو قياسي، وطب العرب والهند وهو تجاربي، وكان أكثر ما يصفه النبي صلى الله عليه وسلم لمن يكون عليلا على طريقة طب العرب، ومنه ما يكون مما اطلع عليه بالوحي.
وقد قال صاحب " كتاب المائة في الطب " إن العسل تارة يجري سريعا إلى العروق وينفذ معه جل الغذاء ويدر البول فيكون قابضا، وتارة يبقى في المعدة فيهيجها بلذعها حتى يدفع الطعام ويسهل البطن فيكون مسهلا.
فإنكار وصفه للمسهل مطلقا قصور من المنكر.
وقال غيره: طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن البرء لصدوره عن الوحي، وطب غيره أكثره حدس أو تجرية، وقد يتخلف الشفاء عن بعض من يستعمل طب النبوة، وذلك لمانع قام بالمستعمل من ضعف اعتقاد الشفاء به وتلقيه بالقبول، وأظهر الامثلة في ذلك القرآن الذي هو شفاء لما في الصدور، ومع ذلك فقد لا يحصل لبعض الناس شفاء صدره لقصوره في الاعتقاد والتلقي بالقبول، بل لا يزيد المنافق إلا رجسا إلى رجسه ومرضا إلى مرضه، فطب النبوة لا يناسب إلا الابدان الطيبة، كما أن شقاء القرآن لا يناسب إلا القلوب الطيبة؛ والله أعلم.
وقال ابن الجوزي: في وصفه صلى الله عليه وسلم العسل لهذا المنسهل أربعة أقوال: أحدها أنه حمل الاية على عمومها في الشفاء، وإلى ذلك أشار بقوله: " صدق الله " أي في قوله: (فيه شفاء للناس) فلما نبهه على هذه الحكمة تلقاها بالقبول، فشفي بإذن الله.
الثاني: أن الوصف المذكور على المألوف من عادتهم من التداوي بالعسل في الامراض كلها.
الثالث: أن الموصوف له ذلك كانت به هيضة كما تقدم تقريره.
الرابع: يحتمل أن يكون أمره بطبخ العسل قبل شربه فإنه يعقد البلغم، فلعله شربه أولا بغير طبخ انتهى.
والثاني والرابع ضعيفان وفي كلام الخطابي احتمال آخر، وهو أن يكون الشفاء يحصل للمذكور ببركة النبي صلى الله عليه وسلم وبركه وصفه ودعائه؛ فيكون خاصا بذلك الرجل دون غيره، وهو ضعيف أيضا.
ويؤيد الاول حديث ابن مسعود " عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن " أخرجه ابن ماجه والحاكم مرفوعا، وأخرجه ابن أبي شيبة والحاكم موقوفا، ورجاله رجال الصحيح.
وأثر علي " إذا اشتكى أحدكم فليستوهب من امرأته من صداقها فليشتر به عسلا، ثم يأخذ ماء السماء فيجمع هنيئا مريئا شفاء مباركا " أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير بسند حسن، قال ابن بطال: يؤخذ من قوله: " صدق الله وكذب بطن أخيك " أن الالفاظ لا تحمل على ظاهرها، إذ لو كان كذلك لبريء العليل من أول شربة، فلما لم يبرأ إلا بعد التكرار دل على أن الالفاظ تقتصر على معانيها.
قلت: ولا يخفى تكلف هذا الانتزاع.
وقال أيضا: فيه أن الذي يجعل الله فيه الشفاء قد يتخلف لتتم المدة التي قدر الله تعالى فيها الداء.
وقال غيره: في قوله في رواية سعيد بن أبي عروبة " فسقاه فبرأ " بفتح الراء والهمز بوزن قرأ وهي لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقولها بكسر الراء بوزن علم، وقد وقع في رواية أبي الصديق الناجي في آخره " فسقاه فعافاه الله " والله أعلم.

باب لا صَفَرَ وَهُوَ دَاءٌ يَأْخُذُ الْبَطْنَ
الشرح:
قوله: (باب لا صفر وهو داء يأخذ البطن) كذا جزم بتفسير الصفر، وهو بفتحتين.
وقد نقل أبو عبيدة معمر بن المثنى في " غريب الحديث " له عن يونس بن عبيد الجرمي أنه سأل رؤبة بن العجاج فقال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس، وهي أعدى من الجرب عند العرب.
فعلى هذا فالمراد بنفي الصفر ما كانوا يعتقدونه فيه من العدوى.
ورجح عند البخاري هذا القول لكونه قرن في الحديث بالعدوى.
وكذا رجح الطبري هذا القول واستشهد له بقول الاعشى " ولا يعض على شرسوفة الصفر " والشرسوف بضم المعجمة وسكون الراء ثم مهملة ثم فاء: الضلع، والصفر دود يكون في الجوف فربما عض الضلع أو الكبد فقتل صاحبه، وقيل: المراد بالصفر الحية لكن المراد بالنفي نفي ما كانوا يعتقدونه أن من أصابه قتله، فرد ذلك الشارع بأن الموت لا يكون إلا إذا فرغ الاجل.
وقد جاء هذا التفسير عن جابر وهو أحد رواة حديث " لا صفر " قاله الطبري.
وقيل: في الصفر قول آخر، وهو أن المراد به شهر صفر، وذلك أن العرب كانت تحرم صفر وتستحل الحرم كما تقدم في كتاب الحج، فجاء الاسلام برد ما كانوا يفعلونه من ذلك فلذلك قال صلى الله عليه وسلم: " لا صفر"، قال ابن بطال: وهذا القول مروي عن مالك، والصفر أيضا وجع في البطن يأخذ من الجوع ومن اجتماع الماء الذي يكون منه الاستسقاء، ومن الاول حديث " صفرة في سبيل الله خير من حمر النعم " أي جوعة، ويقولون صفر الاناء إذا خلا عن الطعام، ومن الثاني ما سبق في الاشربة في حديث ابن مسعود " أن رجلا أصابه الصفر فنعت له السكر " أي حصل له الاستسقاء فوصف له النبيذ، وحمل الحديث على هذا لا يتجه، بخلاف ما سبق.
وسيأتي شرح الهامة والعدوى كل منهما في باب مفرد.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا عَدْوَى وَلا صَفَرَ وَلا هَامَةَ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا بَالُ إِبِلِي تَكُونُ فِي الرَّمْلِ كَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيَأْتِي الْبَعِيرُ الاجْرَبُ فَيَدْخُلُ بَيْنَهَا فَيُجْرِبُهَا فَقَالَ فَمَنْ أَعْدَى الاوَّلَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسِنَانِ بْنِ أَبِي سِنَانٍ
الشرح:
قوله: (عن صالح) هو ابن كيسان، وقوله: " أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وغيره " وقع في رواية يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان عند مسلم في هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة، وقوله في آخر الباب: " رواه الزهري عن أبي سلمة وسنان بن أبي سنان " يعني كلاهما عن أبي هريرة، وسيأتي ذلك في " باب لا عدوى " من رواية شعيب عن الزهري عنهما، وفيه تفصيل لفظ أبي سلمة من لفظ سنان، ويأتي البحث فيه هناك إن شاء الله تعالى.

باب ذَاتِ الْجَنْبِ
الشرح:
قوله: (باب ذات الجنب) هو ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للاضلاع، وقد يطلق على ما يعارض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والاضلاع فتحدث وجعا، فالاول: ذات الجنب الحقيقي الذي تكلم عليه الاطباء، قالوا ويحدث بسببه خمسة أعراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري.
ويقال لذات الجنب أيضا وجع الخاصرة وهي من الامراض المخوفة لانها تحدث بين القلب والكبد وهي من سيئ الاسقام، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " ما كان الله ليسلطها علي " والمراد بذات الجنب في حديثي الباب الثاني، لان القسط وهو العود الهندي كما تقدم بيانه قريبا هو الذي تداوى به الريح الغليظة، قال المسبحي: العود حار يابس قابض يحبس البطن ويقوي الاعضاء الباطنة ويطرد الريح ويفتح السدد ويذهب فضل الرطوبة؛ قال: ويجوز أن ينفع القسط من ذات الجنب الحقيقي أيضا إذا كانت ناشئة عن مادة بلغمية، ولا سيما في وقت انحطاط العلة.
الحديث:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الاوَلِ اللاتِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ أُخْتُ عُكَاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنٍ لَهَا قَدْ عَلَّقَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْعُذْرَةِ فَقَالَ اتَّقُوا اللَّهَ عَلَى مَا تَدْغَرُونَ أَوْلادَكُمْ بِهَذِهِ الاعْلاقِ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ يُرِيدُ الْكُسْتَ يَعْنِي الْقُسْطَ قَالَ وَهِيَ لُغَةٌ
الشرح:
حديث أم قيس بنت محصن في قصة ولدها والاعلاق عليه من العذرة، وقد تقدم شرح ذلك وبيانه قبل ببابين.
وقوله في أوله: " حدثنا محمد " هو الذهلي، وقوله: " عتاب بن بشير " بمهملة ومثناة ثقيلة وآخره موحدة وأبوه بموحدة ومعجمة وزن عظيم وشيخه إسحاق هو ابن راشد الجزري وقوله في آخره: " يريد الكست، يعني القسط، قال وهي لغة " هو تفسير العود الهندي بأنه القسط، والقائل " قال هي لغة " هو الزهري.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَارِمٌ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ قَالَ قُرِئَ عَلَى أَيُّوبَ مِنْ كُتُبِ أَبِي قِلابَةَ مِنْهُ مَا حَدَّثَ بِهِ وَمِنْهُ مَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَكَانَ هَذَا فِي الْكِتَابِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ وَأَنَسَ بْنَ النَّضْرِ كَوَيَاهُ وَكَوَاهُ أَبُو طَلْحَةَ بِيَدِهِ وَقَالَ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاهْلِ بَيْتٍ مِنْ الانْصَارِ أَنْ يَرْقُوا مِنْ الْحُمَةِ وَالاذُنِ قَالَ أَنَسٌ كُوِيتُ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيٌّ وَشَهِدَنِي أَبُو طَلْحَةَ وَأَنَسُ بْنُ النَّضْرِ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو طَلْحَةَ كَوَانِي
الشرح:
قوله: (حدثنا عارم) هو محمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي، وحماد هو ابن زيد.
قوله: (قرئ على أيوب) هو السختياني.
قوله: (من كتب أبي قلابة منه ما حدث به ومنه ما قرئ عليه، فكان هذا في الكتاب) أي كتاب أبي قلابة، كذا للاكثر.
ووقع في رواية الكشميهني بدل قوله " في الكتاب ": " قرأ الكتاب " وهو تصحيف ووقع عند الاسماعيلي بعد قوله: " في الكتاب ": " غير مسموع " ولم أر هذه اللفظة في شيء من نسخ البخاري.
قوله: (عن أنس) هو ابن مالك.
قوله: (أن أبا طلحة) هو زيد بن سهل زوج والدة أنس أم سليم، وأنس بن النضر هو عم أنس بن مالك.
قوله: (كوياه وكواه أبو طلحة بيده) نسب الكي إليهما معا لرضاهما به، ثم نسب الكي لابي طلحة وحده لمباشرته.
وعند الاسماعيلي من وجه آخر عن أيوب " وشهدني أبو طلحة وأنس بن النضر وزيد بن ثابت".
قوله: (وقال عباد بن منصور) هو الناجي بالنون والجيم، وأراد بهذا التعليق فائدة من جهة الاسناد، وأخرى من جهة المتن، أما الاسناد فبين أن حماد بن زيد بين في روايته صورة أخذ أيوب هذا الحديث عن أبي قلابة، وأنه كان قرأه عليه من كتابه، وأطلق عباد بن منصور روايته بالعنعنة.
وأما المتن فلما فيه من الزيادة، وهي أن الكي المذكور كان بسبب ذات الجنب، وأن ذلك كان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن زيد بن ثابت كان فيمن حضر ذلك.
وفي رواية عباد بن منصور زيادة أخرى في أوله أفردها بعضهم، وهي حديث إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لاهل بيت من الانصار أن يرقوا من الحمة والاذن.
وليس لعباد بن منصور - وكنيته أبو سلمة - في البخاري سوى هذا الموضع المعلق، وهو من كبار أتباع التابعين، تكلموا فيه من عدة جهات: إحداها: أنه رمي بالقدر، لكنه لم يكن داعية.
ثانيها: أنه كان يدلس.
ثالثها: أنه قد تغير حفظه.
وقال يحيى القطان: لما رأيناه كان لا يحفظ.
ومنهم من أطلق ضعفه.
وقد قال ابن عدي: هو من جملة من يكتب حديثه.
ووصل الحديث المذكور أبو يعلى عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن ريحان بن سعيد عن عباد بطوله، وأخرجه عند الاسماعيلي كذلك، وفرقه البزار حديثين وقال في كل منهما: تفرد به عباد بن منصور.
والحمة بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم وقد تشدد، وأنكره الازهري، هي السم.
وقد تقدم شرحها في " باب من اكتوى " وسيأتي الكلام على حكمها في " باب رقية الحية والعقرب " بعد أبواب.
وأما رقية الاذن فقال ابن بطال: المراد وجع الاذن، أي رخص في رقية الاذن إذا كان بها وجع، وهذا يرد على الحصر الماضي في الحديث المذكور في " باب من اكتوى " حيث قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، فيجوز أن يكون رخص فيه بعد أن منع منه، ويحتمل أن يكون المعنى لا رقية أنفع من رقية العين والحمة، ولم يرد نفي الرقى عن غيرهما.
وحكى الكرماني عن ابن بطال أنه ضبطه " الادر " بضم الهمزة وسكون المهملة بعدها راء.
وأنه جمع أدرة وهي نفخة الخصية، قال: وهو غريب شاذ انتهى.
ولم أر ذلك في كتاب ابن بطال، فليحرر.
ووقع عند الاسماعيلي في سياق رواية عباد بن منصور بلفظ " أن يرقوا من الحمة، وأذن برقيه العين والنفس " فعلى هذا فقوله " والاذن " في الرواية المعلقة تصحيف من قوله " أذن " فعل ماض من الاذن، لكن زاد الاسماعيلي في رواية من هذا الوجه " وكان زيد بن ثابت يرقى من الاذن والنفس " فالله أعلم.
وسيأتي بعد أبواب " باب رقية العين " وغير ذلك.
وقوله: " رخص لاهل بيت من الانصار " هم آل عمرو بن حزم، وقع ذلك عند مسلم من حديث جابر، والمخاطب بذلك منهم عمارة بن حزم كما بينته في ترجمته في كتاب الصحابة.

باب حَرْقِ الْحَصِيرِ لِيُسَدَّ بِهِ الدَّمُ
الشرح:
قوله: (باب حرق الحصير) كذا لهم، وأنكره ابن التين فقال: والصواب إحراق الحصير لانه من أحرق، أو تحريق من حرق، قال فأما الحرق فهو حرق الشيء يؤذيه.
قلت: لكن له توجيه، وقوله: " ليسد به الدم " هو بالسين المهملة أي مجاري الدم، أو ضمن " سد " معنى قطع وهو الوجه، وكأنه أشار إلى أن هذا ليس من إضاعة المال لانه إنما يفعل للضرورة المبيحة، وقد كان أبو الحسن القابسي يقول: وددنا لو علمنا ذلك الحصير مما كان لنتخذه دواء لقطع الدم، قال ابن بطال: قد زعم أهل الطب أن الحصير كلها إذا أحرمت تبطل زيادة الدم، بل الرماد كله كذلك، لان الرماد من شأنه القبض، ولهذا ترجم الترمذي لهذا الحديث " التداوي بالرماد " وقال المهلب: فيه أن قطع الدم بالرماد كان معلوما عندهم، لا سيما إن كان الحصير من ديس السعد فهي معلومة بالقبض وطيب الرائحة، فالقبض يسد أفواه الجرح، وطيب الرائحة يذهب بزهم الدم، وأما غسل الدم أولا فينبغي أن يكون إذا كان الجرح غير غائر، أما لو كان غائرا فلا يؤمن معه ضرر الماء إذا صب فيه.
وقال الموفق عبد اللطيف: الرماد فيه تجفيف وقلة لذع، والمجفف إذا كان فيه قوة لذع ربما هيج الدم وجلب الورم.
ووقع عند ابن ماجه من وجه آخر عن سهل بن سعد " أحرقت له - حين لم يرقأ - قطعه حصير خلق فوضعت رماده عليه".
الحديث:
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ لَمَّا كُسِرَتْ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْضَةُ وَأُدْمِيَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَكَانَ عَلِيٌّ يَخْتَلِفُ بِالْمَاءِ فِي الْمِجَنِّ وَجَاءَتْ فَاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْهِهِ الدَّمَ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلام الدَّمَ يَزِيدُ عَلَى الْمَاءِ كَثْرَةً عَمَدَتْ إِلَى حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا وَأَلْصَقَتْهَا عَلَى جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَقَأَ الدَّمُ
الشرح:
تقدم شرح حديث الباب، وهو حديث سهل بن سعد في غسل فاطمة وجه النبي صلى الله عليه وسلم من الدم لما جرح يوم أحد، في كتاب الجهاد.
وقوله في آخر الحديث " فرقأ " بقاف وهمزة أي بطل خروجه.
وفي رواية " فاستمسك الدم".




رد مع اقتباس
#4  
قديم 2008-02-09, 05:11 PM
منصور المغربي
:: عضو فعال ::
منصور المغربي غير متواجد حالياً
SMS ~
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
لوني المفضل #00378f
 رقم العضوية : 35
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 المشاركات : 18 [ + ]
 التقييم : 10
 معدل التقييم : منصور المغربي is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي تابع كِتَاب الطب 4



بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فتح الباري شرح صحيح البخاري
كِتَاب الطب 4

باب الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ
باب مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لا تُلايِمُهُ
باب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ
باب أَجْرِ الصَّابِرِ فِي الطَّاعُونِ
باب الرُّقَى بِالْقُرْآنِ وَالْمُعَوِّذَاتِ

باب الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ
الشرح:
قوله: (باب الحمى من فيح جهنم) بفتح الفاء وسكون التحتانية بعدها مهملة، وسيأتي في حديث رافع آخر الباب " من فوح " بالواو، وتقدم من حديثه في صفة النار بلفظ " فور " بالراء بدل الحاء وكلها بمعنى، والمراد سطوع حرها ووهجه.
والحمى أنواع كما سأذكره.
واختلف في نسبتها إلى جهنم فقيل حقيقة، واللهب الحاصل في جسم المحموم قطعة من جهنم، وقدر الله ظهورها بأسباب تقتضيها ليعتبر العباد بذلك، كما أن أنواع الفرح واللذة من نعيم الجنة، أظهرها في هذه الدار عبرة ودلالة.
وقد جاء في حديث أخرجه البزار من حديث عائشة بسند حسن، وفي الباب عن أبي أمامة عند أحمد، وعن أبي ريحانة عند الطبراني، وعن ابن مسعود في مسند الشهاب " الحمى حظ المؤمن من النار " وهذا كما تقدم في حديث الامر بالابراد أن شدة الحر من فيح جهنم وأن الله أذن لها بنفسين، وقيل: بل الخبر ورد مورد التشبيه، والمعنى أن حر الحمى شبيه بحر جهنم تنبيها للنفوس على شدة حر النار، وأن هذه الحرارة الشديدة شبيهة بفيحها وهو ما يصيب من قرب منها من حرها كما قيل بذلك في حديث الابراد، والاول أولى، والله أعلم.
ويؤيده قول ابن عمر في آخر الباب.
الحديث:
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ
الشرح:
حديث ابن عمر أخرجه من طريق عبد الله بن وهب عن مالك، وكذا مسلم.
وأخرجه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك، قال الدار قطني في " الموطئات ": لم يروه من أصحاب مالك في " الموطأ " إلا ابن وهب وابن القاسم وتابعهما الشافعي وسعيد بن عفير وسعيد بن داود، قال: ولم يأت به معن ولا القعنبي ولا أبو مصعب ولا ابن بكير انتهى.

وكذا قال ابن عبد البر في التقصي.
وقد أخرجه شيخنا في تقريبه من رواية أبي مصعب عن مالك، وهو ذهول منه، لانه اعتمد فيه على الملخص للقابسي، والقابسي إنما أخرج الملخص من طريق ابن القاسم عن مالك، وهذا ثاني حديث عثرت عليه في تقريب الاسانيد لشيخنا عفا الله تعالى عنه من هذا ال***، وقد نبهت عليه نصيحة لله تعالى والله أعلم، وقد أخرجه الدار قطني والاسماعيلي من رواية حرملة عن الشافعي، وأخرجه الدار قطني من طريق سعيد بن عفير، ومن طريق سعيد بن داود، ولم يخرجه ابن عبد البر في " التمهيد " لانه ليس في رواية يحيى بن يحيى الليثي، والله أعلم.
قوله: (فأطفئوها) بهمزة قطع ثم طاء مهملة وفاء مكسورة ثم همزة أمر بالاطفاء، وتقدم في رواية عبيد الله بن عمر عن نافع في صفة النار من بدء الخلق بلفظ " فأبردوها " والمشهور في ضبطها بهمزة وصل والراء مضمومة، وحكي كسرها، يقال بردت الحمى أبردها بردا بوزن قتلتها أقتلها قتلا أي أسكنت حرارتها، قال شاعر الحماسة: إذا وجدت لهيب الحب في كبدي أقبلت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد المـاء ظاهره فمن لنار على الاحشاء تتقد وحكى عياض رواية بهمزة قطع مفتوحة وكسر الراء، من أبرد الشيء إذا عالجه فصيره باردا، مثل أسحنه إذا صيره سخنا، وقد أشار إليها الخطابي.
وقال الجوهري: إنها لغة رديئة.
قوله: (بالماء) في حديث أبي هريرة عند ابن ماجه " بالماء البارد " ومثله في حديث سمرة عند أحمد، ووقع في حديث ابن عباس " بماء زمزم " كما مضى في صفة النار من رواية أبي جمرة بالجيم قال: " كنت أجالس ابن عباس بمكة فأخذتني الحمى " وفي رواية أحمد " كنت أدفع للناس عن ابن عباس فاحتبست أياما فقال: ما حبسك؟ قلت الحمى، قال: أبردها بماء زمزم، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء أو بماء زمزم " شك همام.
كذا في راوية البخاري من طريق أبي عامر العقدي عن همام.
وقد تعلق به من قال بأن ذكر ماء زمزم ليس قيدا لشك راوية فيه.
وممن ذهب إلى ذلك ابن القيم.
وتعقب بأنه وقع في رواية أحمد عن عفان عن همام " فأبردوها بماء زمزم " ولم يشك، وكذا أخرجه النسائي وابن حبان والحاكم من رواية عفان، وإن كان الحاكم وهم في استدراكه.
وترجم له ابن حبان بعد إيراده حديث ابن عمر فقال: ذكر الخبر المفسر للماء المجمل في الحديث الذي قبله، وهو أن شدة الحمى تبرد بماء زمزم دون غيره من المياه، وساق حديث ابن عباس، وقد تعقب - على تقدير أن لا شك في ذكر ماء زمزم فيه - بأن الخطاب لاهل مكة خاصة لتيسر ماء زمزم عندهم، كما خص الخطاب بأصل الامر بأهل البلاد الحارة.
وحفي ذلك على بعض الناس.
قال الخطابي ومن تبعه: اعترض بعض سخفاء الاطباء على هذا الحديث بأن قال: اغتسال المحموم بالماء خطر يقربه من الهلاك، لانه يجمع المسام ويحقن البخار ويعكس الحرارة إلى داخل الجسم فيكون ذلك سببا للتلف، قال الخطابي: غلط بعض من ينسب إلى العلم فانغمس في الماء لما أصابته الحمى فاحتقنت الحرارة في باطن بدنه فأصابته علة صعبة كادت تهلكه، فلما خرج من علته قال قولا سيئا لا يحسن ذكره، وإنما أوقعه في ذلك جهله بمعنى الحديث، والجواب أن هذا الاشكال صدر عن صدر مرتاب في صدق الخبر، فيقال له أولا من أين حملت الامر على الاغتسال وليس في الحديث الصحيح بيان الكيفية فضلا عن اختصاصها بالغسل، وإنما في الحديث الارشاد إلى تبريد الحمى بالماء فإن أظهر الوجود أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء أو صبه إياه على جميع بدنه يضره فليس هو المراد، وإنما قصد صلى الله عليه وسلم استعمال الماء على وجه ينفع، فليبحث عن ذلك الوجه ليحصل الانتفاع به، وهو كما وقع في أمره العائن بالاغتسال وأطلق، وقد ظهر من الحديث الاخر أنه لم يرد مطلق الاغتسال، وإنما أراد الاغتسال على كيفية مخصوصة، وأولى ما يحمل عليه كيفية تبريد الحمى ما صنعته أسماء بنت الصديق، فإنها كانت ترش على بدن المحموم شيئا من الماء بين يديه وثوبه فيكون ذلك من باب النشرة المأذون فيها، والصحابي ولا سيما مثل أسماء التي هي ممن كان يلازم بيت النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالمراد من غيرها، ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديثها عقب حديث ابن عمر المذكور، وهذا من بديع ترتيبه.
وقال المازري: ولا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفصيل، حتى أن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة ثم يصير داء له في الساعة التي تليها، لعارض يعرض له من غضب يحمي مزاجه مثلا فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير، فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له أو بغيره في سائر الاحوال، والاطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع.
ثم ذكر نحو ما تقدم.
قالوا: وعلى تقدير أن يريد التصريح بالاغتسال في جميع الجسد، فيجاب بأنه يحتمل أن يكون أراد أنه يقع بعد إقلاع الحمى، وهو بعيد.
ويحتمل أن يكون في وقت مخصوص بعدد مخصوص فيكون من الخواص التي اطلع صلى الله عليه وسلم عليها بالوحي، ويضمحل عند ذلك جميع كلام أهل الطب.
وقد أخرج الترمذي من حديث ثوبان مرفوعا " إذا أصاب أحدكم الحمى - وهي قطعة من النار - فليطفئها عنه بالماء، يستنقع في نهر جار ويستقبل جريته وليقل: بسم الله، اللهم اشف عبدك وصدق رسولك، بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس، ولينغمس فيه ثلاث غمسات ثلاثة أيام، فإن لم يبرأ فخمس، وإلا فسبع، وإلا فتسع، فإنها لا تكاد تجاوز تسعا بإذن الله " قال الترمذي غريب.
قلت: وفي سنده سعيد بن زرعة مختلف فيه.
قال: ويحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض، في بعض الاماكن دون بعض، لبعض الاشخاص دون بعض.
وهذا أوجه.
فإن خطابه صلى الله عليه وسلم قد يكون عاما وهو الاكثر، وقد يكون خاصا كما قال: " لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا " فقوله " شرقوا أو غربوا " ليس عاما لجميع أهل الارض بل هو خاص لمن كان بالمدينة النبوية وعلى سمتها كما تقدم تقريره في كتاب الطهارة، فكذلك هذا يحتمل أن يكون مخصوصا بأهل الحجاز وما والاهم إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شربا واغتسالا، لان الحمى حرارة غريبة تشتعل في القلب وتنتشر منه بتوسط الروح والدم في العروق إلى جميع البدن، وهي قسمان: عرضية وهي الحادثة عن ورم أو حركة أو إصابة حرارة الشمس أو القيظ الشديد ونحو ذلك، ومرضية وهي ثلاثة أنواع، وتكون عن مادة، ثم منها ما يسخن جميع البدن، فإن كان مبدأ تعلقها بالروح فهي حمى يوم لانها تقع غالبا في يوم ونهايتها إلى ثلاثة، وإن كان تعلقها بالاعضاء الاصلية فهي حمى دق وهي أخطرها، وإن كان تعلقها بالاخلاط سميت عفنية وهي بعدد الاخلاط الاربعة، وتحت هذه الانواع المذكورة أصناف كثيرة بسبب الافراد والتركيب.
وإذا تقرر هذا فيجوز أن يكون المراد النوع الاول فإنها تسكن بالانغماس في الماء البارد وشرب الماء المبرد بالثلج وبغيره ولا يحتاج صاحبها إلى علاج آخر، وقد قال جالينوس في كتاب حيلة البرء لو أن شابا حسن اللحم خصب البدن ليس في أحشائه ورم استحم بماء بارد أو سبح فيه وقت القيظ عند منتهى الحمى لا ينتفع بذلك.
وقال أبو بكر الرازي: إذا كانت القوى قوية والحمى حادة والنضج بين ولا ورم في الجوف ولا فتق فإن الماء البارد ينفع شربه، فإن كان العليل خصب البدن والزمان حارا وكان معتادا باستعمال الماء البارد اغتسالا فليؤدن له فيه.
وقد نزل ابن القيم حديث ثوبان على هذه القيود فقال: هذه الصفة تنفع في فصل الصيف في البلاد الحارة في الحمى العرضية أو الغب الخالصة التي لا ورم معها ولا شيء من الاعراض الرديئة، والمراد الفاسدة، فيطفئها بإذن الله، فإن الماء في ذلك الوقت أبرد ما يكون لبعده عن ملاقاة الشمس، ووفور القوي في ذلك الوقت لكونه عقب النور والسكون وبرد الهواء، قال: والايام التي أشار إليها هي التي يقع فيها بحرارة الامراض الحادة غالبا ولا سيما في البلاد الحارة.
والله أعلم.
قالوا: وقد تكرر في الحديث استعماله صلى الله عليه وسلم الماء البارد في علته كما قال " صبوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن " وقد تقدم شرحه.
وقال سمرة " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حم دعا بقربة من ماء فأفرغها على قرنه فاغتسل " أخرجه البزار وصححه الحاكم، ولكن في سنده راو ضعيف.
وقال أنس: " إذا حم أحدكم فليشن عليه من الماء البارد من السحر ثلاث ليال " أخرجه الطحاوي وأبو نعيم في الطب والطبراني في " الاوسط " وصححه الحاكم وسنده قوي، وله شاهد من حديث أم خالد بنت سعيد أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده وأبو نعيم في الطب من طريقه.
وقال عبد الرحمن بن المرقع رفعه " الحمى رائد الموت، وهي سجن الله في الارض فبردوا لها الماء في الشنان، وصبوه عليكم فيما بين الاذانين المغرب والعشاء.
قال ففعلوا فذهب عنهم " أخرجه الطبراني.
وهذه الاحاديث كلها ترد التأويل الذي نقله الخطابي عن ابن الانباري أنه قال: المراد بقوله فأبردوها الصدقة به، قال ابن القيم: أظن الذي حمل قائل هذا أنه أشكل عليه استعمال الماء في الحمى فعدل إلى هذا، وله وجه حسن لان الجزاء من *** العمل، فكأنه لما أخمد لهيب العطشان بالماء أخمد الله لهيب الحمى عنه، ولكن هذا يؤخذ من فقه الحديث وإشارته، وأما المراد به بالاصل فهو استعماله في البدن حقيقة كما تقدم، والله أعلم.
قوله: (قال نافع وكان عبد الله) أي ابن عمر (يقول اكشف عنا الرجز) أي العذاب، وهذا موصول بالسند الذي قبله، وكأن ابن عمر فهم من كون أصل الحمى من جهنم أن من أصابته عذب بها، وهذا التعذيب يختلف باختلاف محله: فيكون للمؤمن تكفيرا لذنوبه وزيادة في أجوره كما سبق، وللكافر عقوبة وانتقاما.
وإنما طلب ابن عمر كشفه مع ما فيه من الثواب لمشروعية طلب العافية من الله سبحانه، إذ هو قادر على أن يكفر سيئات عبده ويعظم ثوابه، من غير أن يصيبه شيء يشق عليه، والله أعلم.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِالْمَرْأَةِ قَدْ حُمَّتْ تَدْعُو لَهَا أَخَذَتْ الْمَاءَ فَصَبَّتْهُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ جَيْبِهَا قَالَتْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا أَنْ نَبْرُدَهَا بِالْمَاءِ
الشرح:
قوله: (عن هشام) هو ابن عروة بن الزبير، وفاطمة بنت المنذر أي ابن الزبير هي بنت عمه وزوجته، وأسماء بنت أبي بكر جدتهما لابويهما معا.
قوله: (بينها وبين جيبها) بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة: هو ما يكون مفرجا من الثوب كالكم والطوق.
وفي رواية عبدة عن هشام عند مسلم " فتصبه في جيبها".
قوله: (أن نبردها) بفتح أوله وضم الراء الخفيفة.
وفي رواية لابي ذر بضم أوله وفتح الموحدة وتشديد الراء من التبريد، وهو بمعنى رواية أبرد بهمزة مقطوعة، زاد عبدة في روايته " وقال إنها من فيح جهنم".
الحديث:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ
الشرح:
قوله: (يحيى) هو القطان، وهشام هو ابن عروة أيضا.
وأشار بإيراد روايته هذه عقب الاولى إلى أنه ليس اختلافا على هشام، بل له في هذا المتن إسنادان، بقرينة مغايرة السياقين.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الاحْوَصِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الْحُمَّى مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ
الشرح:
قوله: (من فيح جهنم) في رواية السرخسي " من فوح " بالواو، وتقدم في صفة النار من بدء الخلق من هذا الوجه بلفظ " من فور " وكلها بمعنى، وتقدم هناك بلفظ " فأبردوها عنكم " بزيادة " عنكم " وكذا زادها مسلم في روايته عن هناد بن السري عن أبي الاحوص بالسند المذكور هنا.
باب مَنْ خَرَجَ مِنْ أَرْضٍ لا تُلايِمُهُ
الشرح:
قوله: (باب من خرج من أرض لا تلايمه) بتحتانية مكسورة، وأصله بالهمز ثم كثر استعماله فسهل، وهو من الملاءمة بالمد أي الموافقة وزنا ومعنى.
وذكر فيه قصة العرنيين، وقد تقدمت الاشارة إليها قريبا، وكأنه أشار إلى أن الحديث الذي أورده بعده في النهي عن الخروج من الارض التي وقع فيها الطاعون ليس على عمومه.
وإنما هو مخصوص بمن خرج فرارا منه كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
باب مَا يُذْكَرُ فِي الطَّاعُونِ
الشرح:
قوله: (باب ما يذكر في الطاعون) أي مما يصح على شرطه.
والطاعون بوزن فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله ورضعوه دالا على الموت العام كالوباء، ويقال طعن فهو مطعون وطعين إذا أصابه الطاعون، وإذا أصابه الطعن بالرمح فهو مطعون، هذا كلام الجوهري.
وقال الخليل: الطاعون الوباء.
وقال صاحب " النهاية ": الطاعون المرض العام الذي يفسد له الهواء، وتفسد به الامزجة والابدان.
وقال أبو بكر بن العربي: الطاعون الوجه الغالب الذي يطفئ الروح كالذبحة، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله.
وقال أبو الوليد الباجي: هو مرض يعم الكثير من الناس في جهة من الجهات، بخلاف المعتاد من أمراض الناس، ويكون مرضهم واحدا بخلاف بقية الاوقات فتكون الامراض مختلفة.
وقال الداودي: الطاعون حبة تخرج من الارقاع وفي كل طي من الجسد والصحيح أنه الوباء.
وقال عياض: أصل الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الامراض، فسميت طاعونا لشبهها بها في الهلاك، وإلا فكل طاعون وباء وليس كل وباء طاعونا.
قال: ويدل على ذلك أن وباء الشام الذي وقع في عمواس إنما كان طاعونا، وما ورد في الحديث أن الطاعون وخز الجن.
وقال ابن عبد البر: الطاعون غدة تخرج في المراق والاباط، وقد تخرج في الايدي والاصابع وحيث شاء الله.
وقال النووي في " الروضة ": قيل: الطاعون انصباب الدم إلى عضو.
وقال آخرون: هو هيجان الدم وانتفاخه.
قال المتولي: وهو قريب من الجذام، من أصابه تأكلت أعضاؤه وتساقط لحمه.
وقال الغزالي: هو انتفاخ جميع البدن من الدم مع الحمى أو انصباب الدم إلى بعض الاطراف، ينتفخ ويحمر؛ وقد يذهب ذلك العضو.
وقال النووي أيضا في تهذيبه: هو بثر وورم مؤلم جدا، يخرج مع لهب، ويسود ما حواليه أو يخضر أو يحمر حمرة شديد بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالبا في المراق والاباط، وقد يخرج في الايدي والاصابع وسائر الجسد.
وقال جماعة من الاطباء منهم أبو علي بن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورما قتالا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن؛ وأغلب ما تكون تحت الابط أو خلف الاذن أو عند الارنبة.
قال: وسببه دم رديء مائل إلى العفونة والفساد يستحيل إلى جوهر سمي يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الاعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الاعضاء الرئيسية، والاسود منه قل من يسلم منه، وأسلمه الاحمر ثم الاصفر.
والطواعين تكثر عند الوباء في البلاد الوبئة، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح ومدده.
قلت: فهذا ما بلغنا من كلام أهل اللغة وأهل الفقه والاطباء في تعريفه.
والحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم أو انصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الامراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونا بطريق المجاز لاشتراكهما في عموم المرض به أو كثرة الموت، والدليل على أن الطاعون يغاير الوباء ما سيأتي في رابع أحاديث الباب " أن الطاعون لا يدخل المدينة " وقد سبق في حديث عائشة " قدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله - وفيه قول بلال - أخرجونا إلى أرض الوباء " وما سبق في الجنائز من حديث أبي الاسود " قدمت المدينة في خلافة عمر وهم يموتون موتا ذريعا " وما سبق في حديث العرنيين في الطهارة أنهم استوخموا المدينة، وفي لفظ أنهم قالوا إنها أرض وبئة، فكل ذلك يدل على أن الوباء كان موجودا بالمدينة.
وقد صرح الحديث الاول بأن الطاعون لا يدخلها فدل على أن الوباء غير الطاعون.
وأن من أطلق على كل وباء طاعونا فبطريق المجاز.
قال أهل اللغة: الوباء هو المرض العام، يقال أوبأت الارض فهي موبئة، ووبئت بالفتح فهي وبئة، وبالضم فهي موبوءة.
والذي يفترق به الطاعون من الوباء أصل الطاعون الذي لم يتعرض له الاطباء ولا أكثر من تكلم في تعريف الطاعون وهو كونه من طعن الجن، ولا يخالف ذلك ما قال الاطباء من كون الطاعون ينشأ عن هيجان الدم أو انصبابه لانه يجوز أن يكون ذلك يحدث عن الطعنة الباطنة فتحدث منها المادة السمية ويهيج الدم بسببها أو ينصب وإنما لم يتعرض الاطباء لكونه من طعن الجن لانه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما يعرف من الشارع فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم.
وقال الكلاباذي في " معاني الاخبار ": يحتمل أن يكون الطاعون على قسمين: قسم محصل من غلبة بعض الاخلاط من دم أو صفراء محترقة أو غير ذلك من غير سبب يكون من الجن، وقسم يكون من وخز الجن كما تقع الجراحات من القروح التي تخرج في البدن من غلبة بعض الاخلاط وإن لم يكن هناك طعن، وتقع الجراحات أيضا من طعن الانس.
انتهى.
ومما يؤيد أن الطاعون إنما يكون من طعن الجن وقوعه غالبا في أعدل الفصول وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء، ولانه لو كان بسبب فساد الهواء لدام في الارض لان الهواء يفسد تارة ويصح أخرى، وهذا يذهب أحيانا ويجيء أحيانا على غير قياس ولا تجربة، فربما جاء سنة على سنة، وربما أبطأ سنين، وبأنه لو كان كذلك لعم الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير ولا يصيب من هم بجانبهم مما هم في مثل مزاجهم، ولو كان كذلك لعم جميع البدن، وهذا يختص بموضع من الجسد ولا يتجاوزه، ولان فساد الهواء يقتضي تغير الاخلاط وكثرة الاسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض، فدل على أنه من طعن الحن كما ثبت في الاحاديث الواردة في ذلك: منها حديث أبي موسى رفعه " فناء أمتي بالطعن والطاعون.
قيل: يا رسول الله هذا الطعن قد عرفناه، فما الطاعون؟ قال: وخز أعدائكم من الجن، وفي كل شهادة " أخرجه أحمد من رواية زياد بن علاقة عن رجل عن أبي موسى.
وفي رواية له عن زياد " حدثني رجل من قومي قال: كنا على باب عثمان ننتظر الاذن، فسمعت أبا موسى، قال زياد: فلم أرض بقوله فسألت سيد الحي فقال: صدق " وأخرجه البزار والطبراني من وجهين آخرين عن زياد فسميا المبهم يزيد بن الحارث، وسماه أحمد في رواية أخرى أسامة بن شريك، فأخرجه من طريق أبي بكر النهشلي عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال: " خرجنا في بضع عشرة نفسا من بني ثعلبة، فإذا نحن بأبي موسى " ولا معارضة بينه وبين من سماه يزيد بن الحارث لانه يحمل على أن أسامة هو سيد الحي الذي أشار إليه في الرواية الاخرى واستثبته فيما حدثه به الاول وهو يزيد بن الحارث، ورجاله رجال الصحيحين إلا المبهم، وأسامة بن شريك صحابي مشهور، والذي سماه وهو أبو بكر النهشلي من رجال مسلم، فالحديث صحيح بهذا الاعتبار، وقد صححه ابن خزيمة والحاكم وأخرجاه وأحمد والطبراني من وجه آخر عن أبي بكر بن أبي موسى الاشعري قال: " سألت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هو وخز أعدائكم من الجن، وهو لكم شهادة " ورجاله رجال الصحيح، إلا أبا بلج بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها جيم واسمه يحيى وثقه ابن معين والنسائي وجماعة، وضعفه جماعة بسبب التشيع وذلك لا يقدح في قبول روايته عند الجمهور.
وللحديث طريق ثالثة أخرجها الطبراني من رواية عبد الله بن المختار عن كريب بن الحارث بن أبي موسى عن أبيه عن جده، ورجاله رجال الصحيح إلا كريبا وأباه وكريب وثقه ابن حبان، وله حديث آخر في الطاعون أخرجه أحمد وصححه الحاكم من رواية عاصم الاحول عن كريب بن الحارث عن أبي بردة بن قيس أخي أبي موسى الاشعري رفعه " اللهم اجعل فناء أمتي قتلا في سبيلك بالطعن والطاعون " قال العلماء: أراد صلى الله عليه وسلم أن يحصل لامته أرفع أنواع الشهادة وهو القتل في سبيل الله بأيدي أعدائهم إما من الانس وإما من الجن.
ولحديث أبي موسى شاهد من حديث عائشة أخرجه أبو يعلى من رواية ليث بن أبي سليم عن رجاله عن عطاء عنها، وهذا سند ضعيف، وآخر من حديث ابن عمر سنده أضعف منه، والعمدة في هذا الباب على حديث أبي موسى فإنه يحكم له بالصحة لتعدد طرقه إليه.
وقوله: " وخز " بفتح أوله وسكون المعجمة بعدها زاي قال أهل اللغة: هو الطعن إذا كان غير نافذ، ووصف طعن الجن بأنه وخز لانه يقع من الباطن إلى الظاهر فيؤثر بالباطن أولا ثم يؤثر في الظاهر وقد لا ينفذ، وهذا بخلاف طعن الانس فإنه يقع من الظاهر إلى الباطن فيؤثر في الظاهر أولا ثم يؤثر في الباطن، وقد لا ينفذ.
(تنبيه) : يقع في الالسنة وهو في " النهاية " لابن الاثير تبعا لغريبي الهروي بلفظ " وخز إخوانكم " ولم أره بلفظ " إخوانكم " بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسند لا في الكتب المشهورة ولا الاجزاء المنثورة، وقد عزاه بعضهم لمسند أحمد أو الطبراني أو كتاب الطواعين لابن أبي الدنيا ولا وجود لذلك في واحد منها والله أعلم.
الحديث:
حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْداً عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا فَقُلْتُ أَنْتَ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ سَعْداً وَلا يُنْكِرُهُ قَالَ نَعَمْ
الشرح:
قوله: (حبيب بن أبي ثابت سمعت إبراهيم بن سعد) أي ابن أبي وقاص، وقع في سياق أحمد فيه قصة عن حبيب قال: " كنت بالمدينة، فبلغني أن الطاعون بالكوفة، فلقيت إبراهيم بن سعد فسألته " وأخرجه مسلم أيضا من هذا الوجه وزاد " فقال لي عطاء بن يسار وغيره " فذكر الحديث المرفوع " فقلت: عمن؟ قالوا عن عامر بن سعد فأتيته فقالوا غائب، فلقيت أخاه إبراهيم بن سعد فسألته".
قوله: (سمعت أسامة بن زيد يحدث سعدا) أي والد إبراهيم المذكور.
ووقع في رواية الاعمش عن حبيب عن إبراهيم بن سعد عن أسامة بن زيد وسعد أخرجه مسلم، ومثله في رواية الثوري عن حبيب وزاد " وخزيمة بن ثابت " أخرجه أحمد ومسلم أيضا، وهذا الاختلاف لا يضر لاحتمال أن يكون سعد تذكر لما حدثه به أسامة أو نسبت الرواية إلى سعد لتصديقه أسامة.
وأما خزيمة فيحتمل أن يكون إبراهيم بن سعد سمعه منه بعد ذلك فضمه إليها تارة وسكت عنه أخرى.
قوله: (إذا سمعتم بالطاعون) وقع في رواية عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أسامة في هذا الحديث زيادة على رواية أخيه إبراهيم أخرجها المصنف في " ترك الحيل " من طريق شعيب عن الزهري " أخبرني عامر بن سعد أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الوجع فقال: رجز أو عذاب عذب به بعض الامم، ثم بقي منه بقية، فيذهب المرة ويأتي الاخرى " الحديث.
وأخرجه مسلما من رواية يونس بن يزيد عن الزهري وقاله فيه: " إن هذا الوجع أو السقم " وأخرجه البخاري في ذكر بني إسرائيل ومسلم أيضا والنسائي من طريق مالك ومسلم أيضا من طريق الثوري ومغيرة بن عبد الرحمن كلهم عن محمد بن المنكدر، زاد مالك: وسالم أبي النضر كلاهما عن عامر بن سعد " أنه سمع أباه يسأل أسامة بن زيد: ماذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطاعون؟ فقال أسامة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطاعون رجس أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم " الحديث كذا وقع بالشك، ووقع بالجزم عند ابن خزيمة من طريق عمرو بن دينار عن عامر بن سعد بلفظ " فإنه رجز سلط على طائفة من بني إسرائيل " وأصله عند مسلم، ووقع عند ابن خزيمة بالجزم أيضا من رواية عكرمة بن خالد عن ابن سعد عن سعد لكن قال: " رجز أصيب به من كان قبلكم".
(تنبيه) : وقع الرجس بالسن المهملة موضع الرجز بالزاي، والذي بالزاي هو المعروف وهو العذاب، والمشهور في الذي بالسين أنه الخبيث أو النجس أو القذر، وجزم الفارابي والجوهري بأنه يطلق على العذاب أيضا، ومنه قوله تعالى (ويجعل الرجس على الذين لا يؤمنون) وحكاه الراغب أيضا.
والتخصيص على بني إسرائيل أخص، فإن كان ذلك المراد فكأنه أشار بذلك إلى ما جاء في قصة بلعام، فأخرج الطبري من طريق سليمان التيمي أحد صغار التابعين عن سيار: أن رجلا كان يقال له بلعام كان مجاب الدعوة، وأن موسى أقبل في بني إسرائيل يريد الارض التي فيها بلعام، فأتاه قومه فقالوا: ادع الله عليهم، فقال: حتى أؤامر ربي، فمنع، فأتوه بهدية فقبلها وسألوه ثانيا فقال حتى أؤامر ربي، فلم يرجع إليه بشيء، فقالوا: لو كره لنهاك، فدعا عليهم فصار يجري على لسانه ما يدعو به على بني إسرائيل فينقلب على قومه، فلاموه على ذلك فقال: سأدلكم على ما فيه هلاكهم أرسلوا النساء في عسكرهم ومروهن أن لا يمتنعن من أحد، فعسى أن يزنوا فيهلكوا، فكان فيمن خرج بنت الملك فأرادها رأس بعض الاسباط وأخبرها بمكانه فمكنته من نفسها، فوقع في بني إسرائيل الطاعون، فمات منهم سبعون ألفا في يوم، وجاء رجل من بني هارون ومعه الرمح فطعنهما وأيده الله فانتظمهما جميعا.
وهذا مرسل جيد وسيار شامي موثق.
وقد ذكر الطبري هذه القصة من طريق محمد بن إسحاق عن سالم أبي النضر فذكر نحوه، وسمي المرأة كشتا بفتح الكاف وسكون المعجمة بعدها مثناة، والرجل زمري بكسر الزي وسكون الميم وكسر الراء رأس سبط شمعون، وسمي الذي طعنهما فنحاص بكسر الفاء وسكون النون بعدها مهملة ثم مهملة ابن هارون.
وقال في آخره: فحسب من هلك من الطاعون سبعون ألفا، والمقلل يقول عشرون ألفا.
وهذه الطريق تعضد الاولى.
وقد أشار إليها عياض فقال: قوله: أرسل على بني إسرائيل قيل: مات منهم في ساعة واحدة عشرون ألفا وقيل: سبعون ألفا.
وذكر ابن إسحاق في " المبتدأ " أن الله أوحى إلى داود أن بني إسرائيل كثر عصيانهم، فخيرهم بين ثلاث: إما أن أبتليهم بالقحط، أو العدو شهرين، أو الطاعون ثلاثة أيام.
فأخبرهم، فقالوا: اختر لنا.
فاختار الطاعون.
فمات منهم إلى أن زالت الشمس سبعون ألفا وقيل مائة ألف.
فتضرع داود إلى الله تعالى، فرفعه.
وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله: " من كان قبلكم " فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير قال: " أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كل رجل منهم كبشا، ثم ليخضب كفه في دمه، ثم ليضرب به على بابه.
ففعلوا.
فسألهم القبط عن ذلك فقالوا: إن الله سيبعث عليكم عذابا وإنما ننجو منه بهذه العلامة.
فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفا، فقال فرعون عند ذلك لموسى: (ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز) الاية، فدعا فكشفه عنهم " وهذا مرسل جيد الاسناد.
وأخرج عبد الرزاق في تفسيره والطبري من طريق الحسن في قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) قال: فروا من الطاعون (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) ليكملوا بقية آجالهم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبي مالك قصتهم مطولة.
فأقدم من وقفنا عليه في المنقول ممن وقع الطاعون به من بني إسرائيل في قصة بلعام، ومن غيرهم في قصة فرعون، وتكرر بعد ذلك لغيرهم والله أعلم.
وسيأتي شرح قوله: " إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها الخ " في شرح الحديث الذي بعده.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الاجْنَادِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِأَرْضِ الشَّأْمِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ عُمَرُ ادْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الاوَّلِينَ فَدَعَاهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَدْ خَرَجْتَ لامْرٍ وَلا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُوا لِي الانْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلافِهِمْ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنِّي ثُمَّ قَالَ ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُمْ عَلَيْهِ رَجُلانِ فَقَالُوا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنَّاسِ وَلا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ إِنِّي مُصَبِّحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبِحُوا عَلَيْهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ أَفِرَاراً مِنْ قَدَرِ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إِبِلٌ هَبَطَتْ وَادِياً لَهُ عُدْوَتَانِ إِحْدَاهُمَا خَصِبَةٌ وَالاخْرَى جَدْبَةٌ أَلَيْسَ إِنْ رَعَيْتَ الْخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ وَإِنْ رَعَيْتَ الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللَّهِ قَالَ فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيِّباً فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْماً سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ
الشرح:
حديث عبد الرحمن بن عوف، وفيه قصة عمر وأبي عبيدة، ذكره من وجهين مطولا ومختصرا.
قوله: (عن عبد الحميد) هو بتقديم الحاء المهملة على الميم، وروايته عن شيخه فيه من رواية الاقران، وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق، وصحابيان في نسق، وكلهم مدنيون.
قوله: (عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث) أي ابن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، لجد أبيه نوفل ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم صحبة، وكذا لولده الحارث، وولد عبد الله بن الحارث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فعد لذلك في الصحابة فهم ثلاثة من الصحابة في نسق، وكان عبد الله بن الحارث يلقب ببة بموحدتين مفتوحتين الثانية مثقلة ومعناه الممتلئ البدن من النعمة، ويكنى أبا محمد، ومات سنه أربع وثمانين.
وأما ولده راوي هذا الحديث فهو ممن وافق اسمه اسم أبيه، وكان يكنى أبا يحيى ومات سنة تسع وتسعين، وما له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد وافق مالكا على روايته عن ابن شهاب هكذا معمر وغيره وخالفهم يونس فقال علي بن شهاب عن عبد الله بن الحارث أخرجه مسلم ولم يسق لفظه، وساقه ابن خزيمة وقال: قول مالك ومن تابعه أصح.
وقال الدار قطني: تابع يونس صالح بن نصر عن مالك.
وقد رواه ابن وهب عن مالك ويونس جميعا عن ابن شهاب عن عبد الله بن الحارث، والصواب الاول، وأظن ابن وهب حمل رواية مالك على رواية يونس، قال: وقد رواه إبراهيم بن عمر بن أبي الوزير عن مالك كالجماعة، لكن قال: " عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث عن أبيه عن ابن عباس " زاد في السند " عن أبيه " وهو خطأ.
قلت: وقد خالف هشام بن سعد جميع أصحاب ابن شهاب فقال: " عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن عن أبيه وعمر " أخرجه ابن خزيمة، وهشام صدوق سيئ الحفظ وقد اضطرب فيه فرواه تارة هكذا ومرة أخرى " عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه وعمر " أخرجه ابن خزيمة أيضا، ولابن شهاب فيه شيخ آخر قد ذكره البخاري أثر هذا السند.
قوله: (أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام) ذكر سيف بن عمر في " الفتوح " أن ذلك كان في ربيع الاخر سنة ثماني عشرة، وأن الطاعون كان وقع أولا في المحرم وفي صفر ثم ارتفع، فكتبوا إلى عمر فخرج حتى إذا كان قريبا من الشام بلغه أنه أشد ما كان، فذكر القصة.
وذكر خليفة بن خياط أن خروج عمر إلى سرغ كان في سنة سبع عشرة، فالله أعلم.
وهذا الطاعون الذي وقع بالشام حينئذ هو الذي يسمى طاعون عمواس بفتح المهملة والميم وحكي تسكينها وآخره مهملة، قيل: سمي بذلك لانه عم وواسى.
قوله: (حتى إذا كان بسرغ) بفتح المهملة وسكون الراء بعدها معجمة وحكي عن ابن وضاح تحريك الراء وخطأه بعضهم: مدينة افتتحها أبو عبيدة، وهي واليرموك والجابية متصلات وبينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة.
وقال ابن عبد البر: قيل: إنه واد بتبوك، وقيل: بقرب تبوك.
وقال الحازمي: هي أول الحجاز، وهي من منازل حاج الشام، وقيل: بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة.
قوله: (لقيه أمراء الاجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه) هم خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص، وكان أبو بكر قد قسم البلاد بينهم وجعل أمر القتال إلى خالد، ثم رده عمر إلى أبي عبيدة، وكان عمر رضي الله تعالى عنه قسم الشام أجنادا: الاردن جند، وحمص جند، ودمشق جند، وفلسطين جند، وقنسرين جند، وجعل على كل جند أميرا، ومنهم من قال: إن قنسرين كانت مع حمص فكانت أربعة، ثم أفردت قنسرين في أيام يزيد بن معاوية.
قوله: (فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام) في رواية يونس " الوجع " بدل " الوباء " وفي رواية هشام بن سعد " أن عمر لما خرج إلى الشام سمع بالطاعون " ولا مخالفة بينها، فإن كل طاعون وباء ووجع من غير عكس.
قوله: (فقال عمر: ادع لي المهاجرين الاولين) في رواية يونس " اجمع لي".
قوله: (ارتفعوا عني) في رواية يونس " فأمرهم فخرجوا عنه".
قوله: (من مشيخة قريش) ضبط " مشيخة " بفتح الميم والتحتانية بينهما معجمة ساكنة.
وبفتح الميم وكسر المعجمة وسكون التحتانية جمع شيخ ويجمع أيضا على شيوخ بالضم، وبالكسر، وأشياخ، وشيخة بكسر ثم فتح، وشيخان بكسر ثم سكون، ومشايخ، ومشيخاء بفتح ثم سكون ثم ضم ومد، وقد تشبع الضمة حتى تصير واوا فتتم عشرا.
قوله: (من مهاجرة الفتح) أي الذين هاجروا إلى المدينة عام الفتح، أو المراد مسلمة الفتح، أو أطلق على من تحول إلى المدينة بعد فتح مكة مهاجرا صورة وإن كان الهجرة بعد الفتح حكما قد ارتفعت، وأطلق عليهم ذلك احترازا من مشيخة قريش ممن أقام بمكة ولم يهاجر أصلا، وهذا يشعر بأن لمن هاجر فضلا في الجملة على من لم يهاجر وإن كانت الهجرة الفاضلة في الاصل إنما هي لمن هاجر قبل الفتح لقوله صلى الله عليه وسلم "لا هجرة بعد الفتح"، وإنما كان كذلك لان مكة بعد الفتح صارت دار إسلام، فالذي يهاجر منها للمدينة إنما يهاجر لطلب العلم أو الجهاد لا للفرار بدينه، بخلاف ما قبل الفتح، وقد تقدم بيان ذلك.
قوله: (بقية الناس) أي الصحابة، أطلق عليهم ذلك تعظيما لهم أي ليس الناس إلا هم، ولهذا عطفهم على الصحابة عطف تفسير، ويحتمل أن يكون المراد ببقية الناس أي الذين أدركوا النبي صلى الله عليه وسلم عموما، والمراد بالصحابة الذين لازموه وقاتلوا معه.
قوله: (فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه) زاد يونس في روايته " فإني ماض لما أرى، فانظروا ما آمركم به فامضوا له، قال فأصبح على ظهر".
قوله: (فقال أبو عبيدة) وهو إذ ذاك أمير الشام (أفرارا من قدر الله) ؟ أي أترجع فرارا من قدر الله؟ وفي رواية هشام بن سعد " وقالت طائفة منهم أبو عبيدة: أمن الموت نفر؟ إنما نحن بقدر، لن يصبنا إلا ما كتب الله لنا".
قوله: (فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة) أي لعاقبته، أو لكان أولى منك بذلك، أو لم أتعجب منه، ولكني أتعجب منك مع علمك وفضلك كيف تقول هذا؟ ويحتمل أن يكون المحذوف: لادبته، أو هي للتمني فلا يحتاج إلى جواب، والمعني أن غيرك ممن لا فهم له إذا قال ذلك يعذر.
وقد بين سبب ذلك بقوله وكان عمر يكره خلافه، أي مخالفته.
قوله: (نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله) في رواية هشام بن سعد " إن تقدمنا فبقدر الله، وإن تأخرنا فبقدر الله " وأطلق عليه فرارا لشبهه به في الصورة وإن كان ليس فرارا شرعيا.
والمراد أن هجوم المرء على ما يهلكه منهي عنه.
ولو فعل لكان من قدر الله، وتجنبه ما يؤذيه مشروع وقد يقدر الله وقوعه فيما فر منه فلو فعله أو تركه لكان من قدر الله، فهما مقامان: مقام التوكل، ومقام التمسك بالاسباب كما سيأتي تقريره.
ومحصل قول عمر: " نفر من قدر الله إلى قدر الله " أنه أراد أنه لم يفر من قدر الله حقيقة، وذلك أن الذي فر منه أمر خاف على نفسه منه فلم يهجم عليه، والذي فر إليه أمر لا يخاف على نفسه منه إلا الامر الذي لا بد من وقوعه سواء كان ظاعنا أو مقيما.
قوله: (له عدوتان) بضم العين المهملة وبكسرها أيضا وسكون الدال المهملة: تثنية عدوة، وهو المكان المرتفع من الوادي، وهو شاطئه.
قوله: (إحداهما خصيبة) بوزن عظيمة، وحكى ابن التين سكون الصاد بغير ياء، زاد مسلم في رواية معمر " وقال له أيضا: أرأيت لو أنه رعى الجدبة وترك الخصبة أكنت معجزه؟ وهو بتشديد الجيم قال: نعم.
قال: فسر إذا، فسار حتى أتى المدينة".
قوله: (فجاء عبد الرحمن بن عوف) هو موصول عن ابن عباس بالسند المذكور.
قوله: (وكان متغيبا في بعض حاجته) أي لم يحضر معهم المشاورة المذكورة لغيبته.
قوله: (إن عندي في هذا علما) في رواية مسلم " لعلما " بزيادة لام التأكيد.
قوله: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه الخ) هو موافق للمتن الذي قبله عن أسامة بن زيد وسعد وغيرهما، فلعلهم لم يكونوا مع عمر في تلك السفرة.
قوله: (فلا تخرجوا فرارا منه) في رواية عبد الله بن عامر التي بعد هذه وفي حديث أسامة عند النسائي " فلا تفروا منه " وفي رواية لاحمد من طريق ابن سعد عن أبيه مثله، ووقع في ذكر بني إسرائيل " إلا فرارا منه " وتقدم الكلام على إعرابه هناك.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ عُمَرَ خَرَجَ إِلَى الشَّأْمِ فَلَمَّا كَانَ بِسَرْغَ بَلَغَهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّأْمِ فَأَخْبَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَاراً مِنْهُ
الشرح:
قوله: (عن عبد الله بن عامر) هو ابن ربيعة، وثبت كذلك في رواية القعنبي كما سيأتي في ترك الحيل وعبد الله بن عامر هذا معدود في الصحابة لانه ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع منه ابن شهاب هذا الحديث عاليا عن عبد الرحمن بن عوف وعمر، لكنه اختصر القصة واقتصر على حديث عبد الرحمن بن عوف.
وفي رواية القعنبي عقب هذه الطريق " وعن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله أن عمر إنما انصرف " من حديث عبد الرحمن، وهو لمسلم عن يحيى بن يحيى عن مالك وقال: " إنما رجع بالناس من سرغ " عن حديث عبد الرحمن بن عوف وكذا هو في الموطأ، وقد رواه جويرية بن أسماء عن مالك خارج " الموطأ " مطولا أخرجه الدار قطني في " الغرائب " فزاد بعد قوله عن حديث عبد الرحمن بن عوف " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يقدم عليه إذا سمع به، وأن يخرج عنه إذا وقع بأرض هو بها " وأخرجه أيضا من رواية بشر بن عمر عن مالك بمعناه، ورواية سالم هذه منقطعة لانه لم يدرك القصة ولا جده عمر ولا عبد الرحمن بن عوف، وقد رواه ابن أبي ذئب عن ابن شهاب عن سالم فقال: " عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن أخبر عمر وهو في طريق الشام لما بلغه أن بها الطاعون " فذكر الحديث أخرجه الطبراني فإن كان محفوظا فيكون ابن شهاب سمع أصل الحديث من عبد الله بن عامر وبعضه من سالم عنه، واختصر مالك الواسطة بين سالم وعبد الرحمن والله أعلم، وليس مراد سالم بهذا الحصر نفي سبب رجوع عمر أنه كان عن رأيه الذي وافق عليه مشيخة قريش من رجوعه بالناس، وإنما مراده أنه لما سمع الخبر رجح عنده ما كان عزم عليه من الرجوع، وذلك أنه قال: " إني مصبح على ظهر " فبات على ذلك ولم يشرع في الرجوع حتى جاء عبد الرحمن بن عوف فحدث بالحديث المرفوع فوافق رأي عمر الذي رآه فحضر سالم سبب رجوعه في الحديث لانه السبب الاقوى، ولم يرد نفي السبب الاول وهو اجتهاد عمر، فكأنه يقول: لولا وجود النص لامكن إذا أصبح أن يتردد في ذلك أو يرجع عن رأيه، فلما سمع الخبر استمر على عزمه الاول، ولولا الخبر لما استمر.
فالحاصل أن عمر أراد بالرجوع ترك الالقاء إلى التهلكة، فهو كمن أراد الدخول إلى دار فرأى بها مثلا حريقا تعذر طفؤه فعدل عن دخولها لئلا يصيبه.
فعدل عمر لذلك، فلما بلغه الخبر جاء موافقا لرأيه فأعجبه، فلاجل ذلك قال من قال: إنما رجع لاجل الحديث، لا لما اقتضاه نظره فقط.
وقد أخرج الطحاوي بسند صحيح " عن أنس أن عمر أتى الشام فاستقبله أبو طلحة وأبو عبيدة فقالا: يا أمير المؤمنين إن معك وجوه الصحابة وخيارهم، وإنا تركنا من بعدنا مثل حريق النار، فارجع العام.
فرجع " وهذا في الظاهر يعارض حديث الباب، فإن فيه الجزم بأن أبا عبيدة أنكر الرجوع ويمكن الجمع بأن أبا عبيدة أشار أولا بالرجوع ثم غلب عليه مقام التوكل لما رأى أكثر المهاجرين والانصار جنحوا إليه فرجع عن رأي الرجوع، وناظر عمر في ذلك، فاستظهر عليه عمر بالحجة فتبعه، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف بالنص فارتفع الاشكال.
وفي هذا الحديث جواز رجوع من أراد دخول بلدة فعلم أن بها الطاعون، وأن ذلك ليس من الطيرة، وإنما هي من منع الالقاء إلى التهلكة، أو سد الذريعة لئلا يعتقد من يدخل إلى الارض التي وقع بها أن لو دخلها وطعن العدوى المنهي عنها كما سأذكره، وقد زعم قوم أن النهي عن ذلك إنما هو للتنزيه، وأنه يجوز الاقدام عليه لمن قوي توكله وصح يقينه، وتمسكوا بما جاء عن عمر أنه ندم على رجوعه من سرغ كما أخرج ابن أبي شيبة بسند جيد من رواية عروة بن رويم عن القاسم بن محمد عن ابن عمر قال: " جئت عمر حين قدم فوجدته قائلا في خبائه، فانتظرته في ظل الخباء، فسمعته يقول حين تضور: اللهم اغفر لي رجوعي من سرغ " وأخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده أيضا.
وأجاب القرطبي في " المفهم " بأنه لا يصح عن عمر، قال: وكيف يندم على فعل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ويرجع عنه ويستغفر منه؟ وأجيب بأن سنده قوي والاخبار القوية لا ترد بمثل هذا مع إمكان الجمع فيحتمل أن يكون كما حكاه البغوي في شرح السنة عن قوم أنهم حملوا النهي على التنزيه، وأن القدوم عليه جائز لمن غلب عليه التوكل، والانصراف عنه رخصة.
ويحتمل - وهو أقوى - أن يكون سبب ندمه أنه خرج لامر مهم من أمور المسلمين، فلما وصل إلى قرب البلد المقصود رجع، مع أنه كان يمكنه أن يقيم بالقرب من البلد المقصود إلى أن يرتفع الطاعون فيدخل إليها ويقضي حاجة المسلمين، ويؤيد ذلك أن الطاعون ارتفع عنها عن قرب، فلعله كان بلغه ذلك فندم على رجوعه إلى المدينة، لا على مطلق رجوعه، فرأى أنه لو انتظر لكان أولى لما في رجوعه على العسكر الذي كان صحبته من المشقة، والخبر لم يرد بالامر بالرجوع وإنما ورد بالنهي عن القدوم.
والله أعلم.
وأخرج الطحاوي بسند صحيح " عن زيد بن أسلم عن أبيه قال قال عمر: اللهم إن الناس قد نحلوني ثلاثا أنا أبرأ إليك منهن: زعموا أني فررت الطاعون وأنا أبرأ إليك من ذلك " وذكر الطلاء والمكس، وقد ورد عن غير عمر التصريح بالعمل في ذلك بمحض التوكل، فأخرج ابن خزيمة بسند صحيح " عن هشام بن عروة عن أبيه أن الزبير بن العوام خرج غازيا نحو مصر، فكتب إليه أمراء مصر أن الطاعون قد وقع، فقال: إنما خرجنا للطعن والطاعون، فدخلها فلقي طعنا في جبهته ثم سلم " وفي الحديث أيضا منع من وقع الطاعون ببلد هو فيها من الخروج منها، وقد اختلف الصحابة في ذلك كما تقدم، وكذا أخرج أحمد بسند صحيح إلى أبي منيب " أن عمرو بن العاص قال في الطاعون: إن هذا رجز مثل السيل، من تنكبه أخطأه.
ومثل النار، من أقام أحرقته، فقال شرحبيل بن حسنة: إن هذا رحمة ربكم، ودعوة نبيكم، وقبض الصالحين قبلكم " وأبو منيب بضم الميم وكسر النون بعدها تحتانية ساكنه ثم موحدة وهو دمشقي نزل البصرة يعرف بالاحدب، وثقه العجلي وابن حبان، وهو غير أبي منيب الجرشي فيما ترجح عندي، لان الاحدب أقدم من الجرشي، وقد أثبت البخاري سماع الاحدب من معاذ بن جبل، والجرشي يروي عن سعيد بن المسيب ونحوه.
وللحديث طريق أخرى أخرجها أحمد أيضا من رواية شرحبيل بن شفعة بضم المعجمة وسكون الفاء عن عمرو بن العاص، وشرحبيل بن حسنة بمعناه.
وأخرجه ابن خزيمة والطحاوي وسنده صحيح.
وأخرجه أحمد وابن خزيمة أيضا من طريق شهر بن حوشب عبد الرحمن بن غنم عن عمرو بن شرحبيل بمعناه.
وأخرج أحمد من طريق أخرى أن المراجعة في ذلك أيضا وقعت من عمرو بن العاص ومعاذ بن جبل.
وفي طريق أخرى بينه وبين واثلة الهذلي.
وفي معظم الطرق أن عمرو بن العاص صدق شرحبيل وغيره على ذلك.
ونقل عياض وغيره جواز الخروج من الارض التي يقع بها الطاعون عن جماعة من الصحابة، منهم أبو موسى الاشعري والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين منهم الاسود بن هلال ومسروق، ومنهم من قال: النهي فيه للتنزيه فيكره ولا يحرم، وخالفهم جماعة فقالوا: يحرم الخروج منها لظاهر النهي الثابت في الاحاديث الماضية، وهذا هو الراجح عند الشافعية وغيرهم، ويؤيده ثبوت الوعيد على ذلك: فأخرج أحمد وابن خزيمة من حديث عائشة مرفوعا في أثناء حديث بسند حسن " قلت يا رسول الله فما الطاعون؟ قال غدة كغدة الابل، المقيم فيها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف".
وله شاهد من حديث جابر رفعه " الفار من الطاعون كالفار من الزحف، والصابر فيه كالصابر في الزحف " أخرجه أحمد أيضا وابن خزيمة وسنده صالح للمتابعات.
وقال الطحاوي استدل من أجاز الخروج بالنهي الوارد عن الدخول إلى الارض التي يقع بها، قالوا: وإنما نهى عن ذلك خشية أن يعدي من دخل عليه، قال: وهو مردود لانه لو كان النهي لهذا لجاز لاهل الموضع الذي وقع فيه الخروج، وقد ثبت النهي أيضا عن ذلك فعرف أن المعنى الذي لاجله منعوا من القدوم عليه غير معنى العدوى، والذي يظهر - والله أعلم - أن حكمة النهي عن القدوم عليه لئلا يصيب من قدم عليه بتقدير الله فيقول: لولا أني قدمت هذه الارض لما أصابني، ولعله لو أقام في الموضع الذي كان فيه لاصابه.
فأمر أن لا يقدم عليه حسما للمادة.
ونهى من وقع وهو بها أن يخرج من الارض التي نزل بها لئلا يسلم فيقول مثلا: لو أقمت في تلك الارض لاصابني ما أصاب أهلها، ولعله لو كان أقام بها ما أصابه من ذلك شيء ا هـ.
ويؤيده ما أخرجه الهيثم بن كليب والطحاوي والبيهقي بسند حسن عن أبي موسى أنه قال: " إن هذا الطاعون قد وقع، فمن أراد أن يتنزه عنه فليفعل، واحذروا اثنتين: أن يقول قائل خرج خارج فسلم، وجلس جالس فأصيب فلو كنت خرجت لسلمت كما سلم فلان، أو لو كنت جلست أصبت كما أصيب فلان " لكن أبو موسى حمل النهي على من قصد الفرار محضا.
ولا شك أن الصور ثلاث: من خرج لقصد الفرار محضا فهذا يتناوله النهي لا محالة، ومن خرج لحاجة متمحضة لا لقصد الفرار أصلا، ويتصور ذلك فيمن تهيأ للرحيل من بلد كان بها إلى بلد إقامته مثلا ولم يكن الطاعون وقع فاتفق وقوعه في أثناء تجهيزه فهذا لم يقصد الفرار أصلا فلا يدخل في النهي، والثالث من عرضت له حاجة فأراد الخروج إليها وانضم إلى ذلك أنه قصد الراحة من الاقامة بالبلد التي وقع بها الطاعون فهذا محل النزاع، ومن جملة هذه الصورة الاخيرة أن تكون الارض التي وقع بها وخمة والارض التي يريد التوجه إليها صحيحة فيتوجه بهذا القصد، فهذا جاء النقل فيه عن السلف مختلفا: فمن منع نظر إلى صورة الفرار في الجملة، ومن أجاز نظر إلى أنه مستثنى من عموم الخروج فرارا لانه لم يتمحض للفرار وإنما هو لقصد التداوي، وعلى ذلك يحمل ما وقع في أثر أبي موسى المذكور " أن عمر كتب إلى أبي عبيدة إن لي إليك حاجة فلا تضع كتابي من يدك حتى تقبل إلي.
فكتب إليه: إني قد عرفت حاجتك، وإني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم.
فكتب إليه: أما بعد فإنك نزلت بالمسلمين أرضا غميقة، فارفعهم إلى أرض نزهة.
فدعا أبو عبيدة أبا موسى فقال.
أخرج فارتد للمسلمين منزلا حتى أنتقل لهم " فذكر القصة في اشتغال أبي موسى بأهله.
ووقوع الطاعون بأبي عبيدة لما وضع رجله في الركاب متوجها، وأنه نزل بالناس في مكان آخر فارتفع الطاعون، وقوله: " غميقة " بغين معجمة وقاف بوزن عظيمة أي قريبة من المياه والنزوز، وذلك مما يفسد غالبا به الهواء لفساد المياه، والنزهة الفسيحة البعيدة عن الوخم.
فهذا يدل على أن عمر رأى أن النهي عن الخروج إنما هو لمن قصد الفرار متمحضا، ولعله كانت له حاجة بأبي عبيدة في نفس الامر فلذلك استدعاه، وظن أبو عبيدة أنه إنما طلبه ليسلم من وقوع الطاعون به فاعتذر عن إجابته لذلك، وقد كان أمر عمر لابي عبيدة بذلك بعد سماعهما للحديث المذكور من عبد الرحمن بن عوف، فتأول عمر فيه ما تأول، واستمر أبو عبيدة على الاخذ بظاهره، وأيد الطحاوي صنيع عمر بقصة العرنيين، فإن خروجهم من المدينة كان للعلاج لا للفرار، وهو واضح من قصتهم لانهم شكوا وخم المدينة وأنها لم توافق أجسامهم، وكان خروجهم من ضرورة الواقع لان الابل التي أمروا أن يتداووا بألبانها وأبوالها واستنشاق روائحها ما كانت تتهيأ إقامتها بالبلد، وإنما كانت في مراعيها فلذلك خرجوا، وقد لحظ البخاري ذلك فترحم قبل ترجمة الطاعون من خرج من الارض التي لا تلائمه، وساق قصة العرنيين، ويدخل فيه ما أخرجه أبو داود من حديث فروة بن مسيك بمهملة وكاف مصغر، قال.
" قلت يا رسول الله إن عندنا أرضا يقال لها أبين هي أرض ريفنا وميرتنا وهي وبئة، فقال: دعها عنك، فإن من القرف التلف " قال ابن قتيبة القرف القرب من الوباء.
وقال الخطابي.
ليس في هذا إثبات العدوى، وإنما هو من باب التداوي، فإن استصلاح الاهوية من أنفع الاشياء في تصحيح البدن وبالعكس، واحتجوا أيضا بالقياس على الفرار من المجذوم وقد ورد الامر به كما تقدم، والجواب أن الخروج من البلد التي وقع بها الطاعون قد ثبت النهي عنه، والمجذوم قد ورد الامر بالفرار منه فكيف يصح القياس؟ وقد تقدم في " باب الجذام " من بيان الحكمة في ذلك ما يغني عن إعادته.
وقد ذكر العلماء في النهي عن الخروج حكما: منها أن الطاعون في الغالب يكون عاما في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن بها فلا يفيده الفرار، لان المفسدة إذا تعينت - حتى لا يقع الانفكاك عنها - كان الفرار عبثا فلا يليق بالعاقل، ومنها أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز عنه - بالمرض المذكور أو بغيره - ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حيا وميتا، وأيضا فلو شرع الخروج فخرج الاقوياء لكان في ذلك كسر قلوب الضعفاء، وقد قالوا إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف لما فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه بخذلانه، وقد جمع الغزالي بين الامرين فقال: الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام الاستنشاق فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظاهر إلا بعد التأثير في الباطن، فالخارج من البلد الذي يقع به لا يخلص غالبا مما استحكم به.
وينضاف إلى ذلك أنه لو رخص للاصحاء في الخروج لبقي المرضى لا يجدون من يتعاهدهم فتضيع مصالحهم.
ومنها ما ذكره بعض الاطباء أن المكان الذي يقع به الوباء تتكيف أمزجة أهله بهواء تلك البقعة وتألفها وتصير لهم كالاهوية الصحيحة لغيرهم، فلو انتقلوا إلى الاماكن الصحيحة لم يوافقهم، بل ربما إذا استنشقوا هواءها استصحب معه إلى القلب من الابخرة الرديئة التي حصل تكيف بدنه بها فأفسدته، فمنع من الخروج لهذه النكتة.
ومنها ما تقدم أن الخارج يقول لو أقمت لاصبت، والمقيم يقول لو خرجت لسلمت، فيقع في اللغو المنهي عنه والله أعلم.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في قوله: " فلا تقدموا عليه ": فيه منع معارضة متضمن الحكمة بالقدر، وهو من مادة قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وفي قوله: " فلا تخرجوا فرارا منه " إشارة إلى الوقوف مع المقدور والرضا به، قال: وأيضا فالبلاء إذا نزل إنما يقصد به أهل البقعة لا البقعة نفسها، فمن أراد الله إنزال البلاء به فهو واقع به ولا محالة، فأينما توجه يدركه، فأرشده الشارع إلى عدم النصب من غير أن يدفع ذلك المحذور.
وقال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: الذي يترجح عندي في الجمع بينهما أن في الاقدام عليه تعريض النفس للبلاء، ولعلها لا تصبر عليه، وربما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكل فمنع ذلك حذرا من اغترار النفس ودعواها ما لا تثبت عليه عند الاختبار، وأما الفرار فقد يكون داخلا في التوغل في الاسباب بصورة من يحاول النجاة بما قدر عليه، فأمرنا الشارع بترك التكلف في الحالتين، ومن هذه المادة قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تتمنوا لقاء العدو، وإذا لقيتموهم فاصبروا " فأمر بترك التمني لما فيه من التعرض للبلاء، وخوف اغترار النفس، إذ لا يؤمن غدرها عند الوقوع، ثم أمرهم بالصبر عند الوقوع تسليما لامر الله تعالى.
وفي قصة عمر من الفوائد مشروعية المناظرة، والاستشارة في النوازل، وفي الاحكام، وأن الاختلاف لا يوجب حكما، وأن الاتفاق هو الذي يوجبه، وأن الرجوع عند الاختلاف إلى النص، وأن النص يسمى علما، وأن الامور كلها تجري بقدر الله وعلمه، وأن العالم قد يكون عنده ما لا يكون عند غيره ممن هو أعلم منه.
وفيه وجوب العمل بخبر الواحد، وهو من أقوى الادلة على ذلك، لان ذلك كان باتفاق أهل الحل والعقد من الصحابة فقبلوه من عبد الرحمن بن عوف ولم يطلبوا معه مقويا.
وفيه الترجيح بالاكثر عددا والاكثر تجربة لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والانصار، فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين والانصار، ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد في العلم والدين ما عند المشيخة من السن والتجارب، فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجح بالكثرة ووافق اجتهاده النص، فلذلك حمد الله تعالى على توفيقه لذلك.
وفيه تفقد الامام أحوال رعيته لما فيه من إزالة ظلم المظلوم وكشف كربة المكروب وردع أهل الفساد وإظهار الشرائع والشعائر وتنزيل الناس منازلهم.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نُعَيْمٍ الْمُجْمِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ المَسِيحُ وَلا الطَّاعُونُ
الشرح:
حديث أبي هريرة " لا يدخل المدينة المسيح ولا الطاعون " كذا أورده مختصرا وقد أورده في الحج عن إسماعيل بن أويس عن مالك أتم من هذا بلفظ " على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال " وقدمت هناك ما يتعلق بالدجال، وأخرجه في الفتن عن القعنبي عن مالك كذلك، ومن حديث أنس رفعه " المدينة يأتيها الدجال فيجد الملائكة فلا يدخلها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى " وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كون الطاعون شهادة وكيف قرن بالدجال ومدحت المدينة بعدم دخولهما، والجواب أن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه وينشأ عنه لكونه سببه فإذا استحضر ما تقدم من أنه طعن الجن حسن مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة ومن اتفق دخوله إليها لا يتمكن من طعن أحد منهم، فإن قيل: طعن الجن لا يختص بكفارهم بل قد يقع من مؤمنيهم، قلنا: دخول كفار الانس المدينة ممنوع فإذا لم يسكن المدينة إلا من يظهر الاسلام جرت عليه أحكام المسلمين ولو لم يكن خالص الاسلام، فحصل الامن من وصول الجن إلى طعنهم بذلك، فلذلك لم يدخلها الطاعون أصلا.
وقد أجاب القرطبي في " المفهم " عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها كطاعون عمواس والجارف، وهذا الذي قاله يقتضي تسليم أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك فقد جزم ابن قتيبة في " المعارف " وتبعه جمع جم من آخرهم الشيخ محيي الدين النووي في " الاذكار " بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلا ولا مكة أيضا، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة في الطاعون العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد قط أنه وقع بها الطاعون أصلا، ولعل القرطبي بني على أن الطاعون أعم من الوباء، أو أنه هو وأنه الذي ينشأ عن فساد الهواء فيقع به الموت الكثير، وقد مضى في الجنائز من صحيح البخاري قول أبي الاسود " قدمت المدينة وهم يموتون بها موتا ذريعا " فهدا وقع بالمدينة وهو وباء بلا شك، ولكن الشأن في تسميته طاعونا، والحق أن المراد بالطاعون في هذا الحديث المنفي دخوله المدينة الذي ينشأ عن طعن الجن فيهيج بذلك الطعن الدم في البدن فيقتل فهذا لم يدخل المدينة قط فلم يتضح جواب القرطبي، وأجاب غيره بأن سبب الترجمة لم ينحصر في الطاعون، وقد قال صلى الله عليه وسلم: " ولكن عافيتك أوسع لي " مكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها بالصحة.
وقال آخر: هذا من المعجزات المحمدية، لان الاطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة.
قلت: وهو كلام صحيح، ولكن ليس هو جوابا عن الاشكال.
ومن الاجوبة أنه صلى الله عليه وسلم عوضهم عن الطاعون بالحمى لان الطاعون يأتي مرة بعد مرة والحمى تتكرر في كل حين فيتعادلان في الاجر ويتم المراد من عدم دخول الطاعون لبعض ما تقدم من الاسباب، ويظهر لي جواب آخر بعد استحضار الحديث الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب بمهملتين آخره موحدة وزن عظيم رفعه " أتاني جبريل بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام " وهو أن الحكمة قي ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عددا ومددا وكانت المدينة وبئة كما سبق من حديث عائشة ثم خير النبي صلى الله عليه وسلم في أمرين يحصل بكل منهما الاجر الجزيل فاختار الحمى حينئذ لقلة الموت بها غالبا، بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى أن تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لاجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار، ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزا لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره هذه المدة المتطاولة.
والله أعلم.
(تنبيه) : سيأتي في ذكر الدجال في أواخر كتاب الفتن حديث أنس وفيه " فيجد الملائكة يحرسونها فلا يقربها الدجال ولا الطاعون إن شاء الله تعالى " وإنه اختلف في هذا الاستثناء فقيل: هو للتبرك فيشملهما، وقيل: هو للتعليق وأنه يختص بالطاعون وأن مقتضاه جواز دخول الطاعون المدينة، ووقع في بعض طرق حديث أبي هريرة " المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة على كل نقب منهما ملك لا يدخلهما الدجال ولا الطاعون " أخرجه عمر بن شبة في " كتاب مكة " عن شريح عن فليح عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا ورجاله رجال الصحيح، وعلى هذا فالذي نقل أنه وجد في سنة تسع وأربعين وسبعمائة منه ليس كما ظن من نقل ذلك، أو يجاب إن تحقق ذلك بجواب القرطبي المتقدم.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ قَالَتْ قَالَ لِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْيَى بِمَ مَاتَ قُلْتُ مِنْ الطَّاعُونِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ
الشرح:
قوله: (عبد الواحد) هو ابن زياد، وعاصم هو ابن سليمان الاحول، والاسناد كله بصريون.
قوله: (قالت قال لي أنس) ليس لحفصة بنت سيرين عن أنس في البخاري إلا هذا الحديث.
قوله: (يحيى بم مات) ؟ أي بأي شهر مات؟ ووقع في رواية " بما مات "؟ بإشباع الميم وهو للاصيلي وهي ما الاستفهامية، لكن اشتهر حذف الالف منها إذا دخل عليها حرف جر، ويحيى المذكور هو ابن سيرين أخو حفصة، ووقع في رواية مسلم يحيى بن أبي عمرة وهو ابن سيرين لانها كنية سيرين، وكانت وفاة يحيى في حدود التسعين من الهجرة على ما يورد من هذا الحديث، لكن أخرج البخاري في " التاريخ الاوسط " من طريق حماد عن يحيى بن عتيق " سمعت يحيى بن سيرين ومحمد بن سيرين يتذاكران الساعة التي في الجمعة " نقله بعد موت أنس بن مالك، أراد أن يحيى بن سيرين مات بعد أنس بن مالك فيكون حديث حفصة خطأ، انتهى.
وتخريجه لحديث حفصة في الصحيح يقتضي أنه ظهر له أن حديث يحيى بن عتيق خطأ، وقد قال في " التاريخ الصغير " حديث يحيى بن عتيق عن حفصة خطأ، فإذا جوز عليه الخطأ في حديثه عن حفصة جاز تجويزه عليه في قوله: " يحيى بن سيرين " فلعله كان أنس بن سيرين، والله أعلم.
قوله: (الطاعون شهادة لكل مسلم) أي يقع به، هكذا جاء مطلقا في حديث أنس، وسيأتي مقيدا بثلاثة قيود في حديث عائشة الذي في الباب بعده، وكأن هذا هو السر في إيراده عقبه.
الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَبْطُونُ شَهِيدٌ وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ
الشرح:
حديث أبي هريرة رفعه " المبطون شهيد، والمطعون شهيد " هكذا أورده مختصرا مقتصرا على هاتين الخصلتين، وقد أورده في الجهاد من رواية عبد الله بن يوسف عن مالك مطولا بلفظ " الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والمقتول في سبيل الله " وأشرت هناك إلى الاخبار الواردة في الزيادة على الخمسة، والمراد بالمطعون من طعنه الجن كما تقدم تقريره في أول الباب.
باب أَجْرِ الصَّابِرِ فِي الطَّاعُونِ
الشرح:
قوله: (باب أجر الصابر على الطاعون) أي سواء وقع به أو وقع في بلد هو مقيم بها.
الحديث:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ أَخْبَرَنَا حَبَّانُ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ أَبِي الْفُرَاتِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْنَا أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَهَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ عَذَاباً يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ فَجَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِراً يَعْلَمُ أَنَّهُ لَنْ يُصِيبَهُ إِلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ الشَّهِيدِ تَابَعَهُ النَّضْرُ عَنْ دَاوُدَ
الشرح:
قوله: (حدثنا إسحاق) هو ابن راهويه، وحبان بفتح المهملة وتشديد الموحدة هو ابن هلال ويحيى بن يعمر بفتح التحتانية والميم بينهما عين مهملة ساكتة وآخره راء.
قوله: (أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون) في رواية أحمد من هذا الوجه عن عائشة " قالت سألت".
قوله: (أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء) في رواية الكشميهني " على من شاء " أي من كافر أو عاص كما تقدم في قصة آل فرعون وفي قصة أصحاب موسى مع بلعام.
قوله: (فجعله الله رحمة للمؤمنين) أي من هذه الامة، وفي حديث أبي عسيب عند أحمد " فالطاعون شهادة للمؤمنين ورحمة لهم، ورجس على الكافر " وهو صريح في أن كون الطاعون رحمة إنما هو خاص بالمسلمين، وإذا وقع بالكفار فإنما هو عذاب عليهم يعجل لهم في الدنيا قبل الاخرة، وأما العاصي من هذه الامة فهل يكون الطاعون له شهادة أو يختص بالمؤمن الكامل؟ فيه نظر.
والمراد بالعاصي من يكون مرتكب الكبيرة ويهجم عليه ذلك وهو مصر، فإنه يحتمل أن يقال لا يكرم بدرجة الشهادة لشؤم ما كان متلبسا به لقوله تعالى: (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات) ؟ وأيضا فقد وقع في حديث ابن عمر ما يدل على أن الطاعون ينشأ عن ظهور الفاحشة، أخرجه ابن ماجه والبيهقي بلفظ " لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والاوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم " الحديث، وفي إسناده خالد بن يزيد بن أبي مالك وكان من فقهاء الشام، لكنه ضعيف عند أحمد وابن معين وغيرهما، ووثقه أحمد بن صالح المصري وأبو زرعة الدمشقي وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرا، وله شاهد عن ابن عباس في " الموطأ " بلفظ " ولا فشا الزنا في قوم إلا كثر فيهم الموت " الحديث، وفيه انقطاع.
وأخرجه الحاكم من وجه آخر موصولا بلفظ " إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله " وللطبراني موصولا من وجه آخر عن ابن عباس نحو سياق مالك وفي سنده مقال، وله من حديث عمرو بن العاص بلفظ " ما من قوم يظهر فيهم الزنا إلا أخذوا بالفناء " الحديث وسنده ضعيف، وفي حديث بريدة عند الحاكم بسند جيد بلفظ " ولا ظهرت الفاحشة في قوم إلا سلط الله عليهم الموت " ولاحمد من حديث عائشة مرفوعا " لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا أوشك أن يعمهم الله بعقاب " وسنده حسن.
ففي هذه الاحاديث أن الطاعون قد يقع عقوبة بسبب المعصية، فكيف يكون شهادة؟ ويحتمل أن يقال: بل تحصل له درجة الشهادة لعموم الاخبار الواردة، ولا سيما في الحديث الذي قبله عن أنس " الطاعون شهادة لكل مسلم " ولا يلزم من حصول درجة الشهادة لمن اجترع السيئات مساواة المؤمن الكامل في المنزلة، لان درجات الشهداء متفاوتة كنظيره من العصاة إذا قتل مجاهدا في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا مقبلا غير مدبر، ومن رحمة الله بهذه الامة المحمدية أن يعجل لهم العقوبة في الدنيا، ولا ينافي ذلك أن يحصل لمن وقع به الطاعون أجر الشهادة، ولا سيما وأكثرهم لم يباشر تلك الفاحشة، وإنما عمهم - والله أعلم - لتقاعدهم عن إنكار المنكر.
وقد أخرج أحمد وصححه ابن حبان من حديث عتبة بن عبيد رفعه " القتل ثلاثة: رجل جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل، فذاك الشهيد المفتخر في خيمة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بدرجة النبوة.
ورجل مؤمن قرف على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يقتل فانمحت خطاياه، إن السيف محاء للخطايا.
ورجل منافق جاهد بنفسه وماله حتى يقل فهو في النار، إن السيف لا يمحو النفاق " وأما الحديث الاخر الصحيح " إن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين " فإنه يستفاد منه أن الشهادة لا تكفر التبعات، وحصول التبعات لا يمنع حصول درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أن الله يثيب من حصلت له ثوابا مخصوصا ويكرمه كرامة زائدة، وقد بين الحديث أن الله يتجاوز عنه ما عدا التبعات، فلو فرض أن للشهيد أعمالا صالحة وقد كفرت الشهادة أعماله السيئة غير التبعات فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من التبعات وتبقى له درجة الشهادة خالصة، فإن لم يكن له أعمال صالحة فهو في المشيئة، والله أعلم.
قوله: (فليس من عبد) أي مسلم (يقع الطاعون) أي في مكان هو فيه (فيمكث في بلده) في رواية أحمد " في بيته"، ويأتي في القدر بلفظ " يكون فيه ويمكث فيه ولا يخرج من البلد " أي التي وقع فيها الطاعون.
قوله: (صابرا) أي غير منزعج ولا قلق، بل مسلما لامر الله راضيا بقضائه، وهذا قيد في حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون، وهو أن يمكث بالمكان الذي يقع به فلا يخرج فرارا منه كما تقدم النهي عنه في الباب قبله صريحا.
وقوله: " يعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له " قيد آخر، وهي جملة حالية تتعلق بالاقامة، فلو مكث وهو قلق أو متندم على عدم الخروج ظانا أنه لو خرج لما وقع به أصلا ورأسا وأنه بإقامته يقع به فهذا لا يحصل له أجر الشهيد ولو مات بالطاعون، هذا الذي يقتضيه مفهوم هذا الحديث كما اقتضى منطوقه أن من اتصف بالصفات المذكورة يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت بالطاعون ومدخل تحته ثلاث صور: أن من اتصف بذلك فوقع به الطاعون فمات به، أو وقع به ولم يمت به، أو لم يقع به أصلا ومات بغيره عاجلا أو آجلا.
قوله: (مثل أجر الشهيد) لعل السر في التعبير بالمثلية مع ثبوت التصريح بأن من مات بالطاعون كان شهيدا أن من لم يمت من هؤلاء بالطاعون كان له مثل أجر الشهيد وإن لم تحصل له درجة الشهادة بعينها وذلك أن من اتصف بكونه شهيدا أعلى درجة ممن وعد بأنه يعطي مثل أجر الشهيد، ويكون كمن خرج على نية الجهاد في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا فمات بسبب غير القتل، وأما ما اقتضاه مفهوم حديث الباب أن من اتصف بالصفات المذكورة ووقع به الطاعون ثم لم يمت منه أنه يحصل له ثواب الشهيد فشهد له حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة أن أبا محمد أخبره وكان من أصحاب ابن مسعود أنه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال.
" إن أكثر شهداء أمتي لاصحاب الفرش، ورب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته " والضمير في قوله أنه لابن مسعود فإن أحمد أخرجه في مسند ابن مسعود ورجال سنده موثقون، واستنبط من الحديث أن من اتصف بالصفات المذكورة ثم وقع به الطاعون فمات به أن يكون له أجر شهيدين، ولا مانع من تعدد الثواب بتعدد الاسباب كمن يموت غريبا بالطاعون، أو نفساء مع الصبر والاحتساب، والتحقيق فيما اقتضاه حديث الباب أنه يكون شهيدا بوقوع الطاعون به ويضاف له مثل أجر الشهيد لصبره وثباته، فإن درجة الشهادة شيء وأجر الشهادة شيء، وقد أشار إلى ذلك الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة وقال: هذا هو السر في قوله " والمطعون شهيد " وفي قوله في هذا: " فله مثل أجر شهيد " ويمكن أن يقال: بل درجات الشهداء متفاوتة، فأرفعها من اتصف بالصفات المذكورة ومات بالطاعون، ودونه في المرتبة من اتصف بها وطعن ولم يمت به، ودونه من اتصف ولم يطعن ولم يمت به.
ويستفاد من الحديث أيضا أن من لم يتصف بالصفات المذكورة لا يكون شهيدا ولو وقع الطاعون ومات به فضلا عن أن يموت بغيره، وذلك ينشأ عن شؤم الاعتراض الذي ينشأ عنه التضجر والتسخط لقدر الله وكراهة لقاء الله، وما أشبه ذلك من الامور التي تفوت معها الخصال المشروطة، والله أعلم.
وقد جاء في بعض الاحاديث استواء شهيد الطاعون وشهيد المعركة، فأخرج أحمد بسند حسن عن عتبة بن عبد السلمي رفعه " يأتي الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول أصحاب الطاعون: نحن شهداء، فيقال: انظروا فإن كان جراحهم كجراح الشهداء تسيل دما وريحها كريح المسك فهم شهداء، فيجدونهم كذلك".
وله شاهد من حديث العرباض بن سارية أخرجه أحمد أيضا والنسائي بسند حسن أيضا بلفظ " يختصم الشهداء والمتوفون على فرشهم إلى ربنا عز وجل في الذين ماتوا بالطاعون، فيقول الشهداء: إخواننا قتلوا كما قتلنا، ويقول الذين ماتوا على فرشهم إخواننا ماتوا على فرشهم كما متنا، فيقول الله عز وجل: انظروا إلى جراحهم، فإن أشبهت جراح المقتولين فإنهم منهم، فإذا جراحهم أشبهت جراحهم " زاد الكلاباذي في " معاني الاخبار " من هذا الوجه في آخره " فيلحقون بهم".
قوله: (تابعه النضر عن داود) النضر هو ابن شميل، وداود هو ابن أبي الفرات، وقد أخرج طريق النضر في " كتاب القدر " عن إسحاق بن إبراهيم عنه، وتقدم موصولا أيضا في ذكر بني إسرائيل عن موسى بن إسماعيل، وأخرجه أحمد عن عفان وعبد الصمد بن عبد الوارث وأبي عبد الرحمن المقري والنسائي من طريق يونس بن محمد المؤدب كلهم عن داود بن أبي الفرات، وإنما ذكرت ذلك لئلا يتوهم أن البخاري أراد بقوله " تابعه النضر " إزالة توهم من يتوهم تفرد حبان بن هلال به فيظن أنه لم يروه غيرهما، ولم يرد البخاري ذلك وإنما أراد إزالة توهم التفرد به فقط، ولم يرد الحصر فيهما، والله أعلم.
باب الرُّقَى بِالْقُرْآنِ وَالْمُعَوِّذَاتِ
الشرح:
قوله: (باب الرقى) بضم الراء وبالقاف مقصور: جمع رقية بسكون القاف، يقال رقي بالفتح في الماضي يرقى بالكسر في المستقبل، ورقيت فلانا بكسر القاف أرقيه، واسترقى طلب الرقية، والجمع بغير همز، وهو بمعنى التعويذ بالذال المعجمة.
قوله: (بالقرآن والمعوذات) هو من عطف الخاص على العام، لان المراد بالمعوذات سورة الفلق والناس والاخلاص كما تقدم في أواخر التفسير، فيكون من باب التغليب.
أو المراد الفلق والناس وكل ما ورد من التعويذ في القرآن كقوله تعالى: (وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين) ، (فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وغير ذلك، والاول أولى، فقد أخرج أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم من رواية عبد الرحمن بن حرملة عن ابن مسعود " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره عشر خصال " فذكر فيها الرقى إلا بالمعوذات، وعبد الرحمن بن حرملة قال البخاري لا يصح حديثه.
وقال الطبري لا يحتج بهذا الخبر لجهالة راويه، وعلى تقدير صحته فهو منسوخ بالاذن في الرقبة بفاتحة الكتاب، وأشار المهلب إلى الجواب عن ذلك بأن في الفاتحة معنى الاستعاذة وهو الاستعانة فعلى هذا يختص الجواز بما يشتمل على هذا المعنى، وقد أخرج الترمذي وحسنه والنسائي من حديث أبي سعيد " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من الجان وعين الانسان حتى نزلت المعودات فأحذ بها وترك ما سواها".
وهذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين، بل يدل على الاولوية، ولا سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما، وإنما اجتزأ بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا، وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.
واختلفوا في كونها شرطا، والراجح أنه لا بد من اعتبار الشروط المذكورة، ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: " كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " وله من حديث جابر " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا: يا رسول الله إنه كانت عندنا رقية نرقى بها من العقرب، قال: فعرضوا عليه فقال: ما أرى بأسا، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه " وقد تمسك قوم بهذا العموم فأجازوا كل رقية جربت منفعتها ولو لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف أنه مهما كان من الرقى يؤدي إلى الشرك يمنع، وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك فيمتنع احتياطا، والشرط الاخر لا بد منه.
وقال قوم لا تجوز الرقية إلا من العين واللدغة كما تقدم في " باب من اكتوى " من حديث عمران بن حصين " لا رقية إلا من عين أو حمة"، وأجيب بأن معنى الحصر فيه أنهما أصلا كل ما يحتاج إلى الرقية، فيلتحق بالعين جواز رقية من به خبل أو مس ونحو ذلك لاشتراكها في كونها تنشأ عن أحوال شيطانية من إنسي أو جني، ويلتحق بالسم كل ما عرض للبدن من قرح ونحوه من المواد السمية.
وقد وقع عند أبي داود في حديث أنس مثل حديث عمران وزاد " أو دم " وفي مسلم من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أنس قال: " رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقى من العين والحمة والنملة " وفي حديث آخر " والاذن " ولابي داود من حديث الشفاء بنت عيد الله " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: ألا تعلمين هذه - يعني حفصة - رقية النملة " والنملة قروح تخرج في الجنب وغيره من الجسد، وقيل المراد بالحصر معنى الافضل، أي لا رقية أنفع كما قيل: لا سيف إلا ذو الفقار.
وقال قوم: المنهي عنه من الرقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البر والبيهقي وغيرهما، وفيه نظر، وكأنه مأخوذ من الخبر الذي قرنت فيه التمائم بالرقى، فأخرج أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم من طريق ابن أخي زينب امرأة ابن مسعود عنها عن ابن مسعود رفعه " إن الرقى والتمائم والتولة شرك " وفي الحديث قصة، والتمائم جمع تميمة وهي خرز أو قلادة تعلق في الرأس، كانوا في الجاهلية يعتقدون أن دلك يدفع الافات، والتولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما كان ذلك من الشرك لانهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء الله وكلامه، فقد ثبت في الاحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه كما سيأتي قريبا في " باب المرأة ترقى الرجل " من حديث عائشة أنه صلى الله عليه وسلم " كان إذا أوى إلى فراشه ينفث بالمعوذات ويمسح بهما وجهه " الحديث، ومضى في أحاديث الانبياء حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم " كان يعوذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة " الحديث، وصحح الترمذي من حديث خولة بنت حكيم مرفوعا " من نزل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يتحول " وعند أبي داود والنسائي بسند صحيح عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن رجل من أسلم " جاء رجل فقال: لدغت الليلة فلم أنم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم يضرك " والاحاديث في هذا المعنى موجودة، لكن يحتمل أن يقال: إن الرقى أخص من التعوذ، وإلا فالخلاف في الرقى مشهور، ولا خلافه في مشروعية الفزع إلى الله تعالى والالتجاء إليه في كل ما وقع وما يتوقع.
وقال ابن التين: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله هو الطب الروحاني، إذا كان على لسان الابرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله تعالى، فلما عز هذا النوع فزع الناس إلى الطب الجسماني وتلك الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم، ويقال: إن الحية لعداوتها للانسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم، فإذا عزم على الحية بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها، وكذا اللديغ إذا رقى بتلك الاسماء سالت سمومها من بدن الانسان، فلذلك كره من الرقى ما لم يكن بذكر الله وأسمائه خاصة وباللسان العربي الذي يعرف معناه ليكون بريئا من الشرك، وعلى كراهة الرقى بغير كتاب الله علماء الامة.
وقال القرطبي: الرقى ثلاثة أقسام، أحدها ما كان يرقى به في الجاهلية مما لا يعقل معناه فيجب اجتنابه لئلا يكون فيه شرك أو يؤدي إلى الشرك.
الثاني: ما كان بكلام الله أو بأسمائه فيجوز، فإن كان مأثورا فيستحب.
الثالث: ما كان بأسماء غير الله من ملك أو صالح أو معظم من المخلوقات كالعرش، قال: فهذا ليس من الواجب اجتنابه ولا من المشروع الذي يتضمن الالتجاء إلى الله والتبرك بأسمائه فيكون تركه أولى، إلا أن يتضمن تعظيم المرقى به فينبغي أن يجتنب كالحلف بغير الله تعالى.
قلت: ويأتي بسط ذلك في كتاب الايمان إن شاء الله تعالى.
وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن يرقى بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله، قلت: أيرقى أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله ا هـ.
وفي " الموطأ " أن أبا بكر قال لليهودية التي كانت ترقى عائشة: ارقيها بكتاب الله.
وروى ابن وهب عن مالك كراهة الرقية بالحديدة والملح وعقد الخيط والذي يكتب خاتم سليمان وقال: لم يكن ذلك من أمر الناس القديم.
وقال المازري: اختلف في استرقاء أهل الكتاب فأجازها قوم وكرهها مالك لئلا يكون مما بدلوه.
وأجاب من أجاز بأن مثل هذا يبعد أن يقولوه، وهو كالطب سواء كان غير الحاذق لا يحسن أن يقول والحاذق يأنف أن يبدل حرصا على استمرار وصفه بالحذق لترويح صناعته.
والحق أنه يختلف باختلاف الاشخاص والاحوال.
وسئل ابن عبد السلام عن الحروف المقطعة فمنع منها ما لا يعرف لئلا يكون فيها كفر.
وسيأتي الكلام على من منع الرقى أصلا في " باب من لم يرق " بعد خمسة أبواب إن شاء الله تعالى.
الحديث:
حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْفُثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْتُ أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا فَسَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ كَيْفَ يَنْفِثُ قَالَ كَانَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ
الشرح:
قوله: (هشام) هو ابن يوسف الصنعاني.
قوله: (كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات) دلالته على المعطوف في الترجمة ظاهرة، وفي دلالته على المعطوف عليه نظر، لانه لا يلزم من مشروعية الرقى بالمعوذات أن يشرع بغيرها من القرآن لاحتمال أن يكون في المعوذات سر ليس في غيرها.
وقد ذكرنا من حديث أبي سعيد أنه صلى الله عليه وسلم ترك ما عدا المعوذات، لكن ثبتت الرقية بفاتحة الكتاب فدل على أن لا اختصاص للمعوذات، ولعل هذا هو السر في تعقيب المصنف هذه الترجمة بباب الرقى بفاتحة الكتاب، وفي الفاتحة من معنى الاستعاذة بالله الاستعانة به، فمهما كان فيه استعاذة أو استعانة بالله وحده أو ما يعطي معنى ذلك فالاسترقاء به مشروع.
ويجاب عن حديث أبي سعيد بأن المراد أنه ترك ما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن، ويحتمل أن يكون المراد بقوله في الترجمة " الرقى بالقرآن " بعضه فإنه اسم *** يصدق على بعضه، والمراد ما كان فيه التجاء إلى الله سبحانه، ومن ذلك المعوذات، وقد ثبت الاستعاذة بكلمات الله في عدة أحاديث كما مضى.
قال ابن بطال: في المعوذات جوامع من الدعاء.
نعم أكثر المكروهات من السحر والحسد وشر الشيطان ووسوسته وغير ذلك، فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتفي بها.
قلت: وسيأتي في " باب السحر " شيء من هذا، وقوله "في المرض الذي مات فيه " ليس قيدا في ذلك وإنما أشارت عائشة إلى أن ذلك وقع في آخر حياته وأن ذلك لم ينسخ.
قوله: (أنفث عنه) في رواية الكشميهني " عليه " وسيأتي باب مفرد في النفث في الرقية.
قوله: (وأمسح بيده نفسه) بالنصب على المفعولية أي أمسح جسده بيده، وبالكسر على البدل.
وفي رواية الكشميهني " بيد نفسه " وهو يؤيد الاحتمال الثاني.
قال عياض: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر، وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال ذلك الالم عن المريض كانفصال ذلك عن الراقي انتهى.
وليس بين قوله في هذه الرواية " كان ينفث على نفسه " وبين الرواية الاخرى " كان يأمرني أن أفعل ذلك " معارضة لانه محمول على أنه في ابتداء المرض كان يفعله بنفسه وفي اشتداده كان يأمرها به وتفعله هي من قبل نفسها.
قوله: (فسألت الزهري) القائل معمر، وهو موصول بالاسناد المذكور، وفي الحديث التبرك بالرجل الصالح وسائر أعضائه وخصوصا اليد اليمنى.




رد مع اقتباس
#5  
قديم 2008-02-09, 05:17 PM
منصور المغربي
:: عضو فعال ::
منصور المغربي غير متواجد حالياً
SMS ~
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته
لوني المفضل #00378f
 رقم العضوية : 35
 تاريخ التسجيل : Feb 2008
 المشاركات : 18 [ + ]
 التقييم : 10
 معدل التقييم : منصور المغربي is on a distinguished road
بيانات اضافيه [ + ]
افتراضي تابع كِتَاب الطب5



بسم الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فتح الباري شرح صحيح البخاري
كِتَاب الطب
5

باب الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
باب الشَّرْطِ فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ
باب رُقْيَةِ الْعَيْنِ
باب الْعَيْنُ حَقٌّ
باب رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ
باب رُقْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
باب النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ
باب مَسْحِ الرَّاقِي الْوَجَعَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى
باب فِي الْمَرْأَةِ تَرْقِي الرَّجُلَ
باب مَنْ لَمْ يَرْقِ
باب الطِّيَرَةِ
باب الْفَأْلِ
باب لا هَامَةَ




باب الرُّقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الشرح:
قوله: (باب الرقى بفاتحة الكتاب، ويذكر عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم) هكذا ذكره بصيغة التمريض، وهو يعكر على ما تقرر بين أهل الحديث أن الذي يورده البخاري بصيغة التمريض لا يكون على شرطه، مع أنه أخرج حديث ابن عباس في الرقية بفاتحة الكتاب عقب هذا الباب.
وأجاب شيخنا في كلامه على علوم الحديث بأنه قد يصنع ذلك إذا ذكر الخبر بالمعنى، ولا شك أن خبر ابن عباس ليس فيه التصريح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالرقبة بفاتحة الكتاب وإنما فيه تقريره على ذلك فنسبة ذلك إليه صريحا تكون نسبة معنوية، وقد علق البخاري بعض هذا الحديث بلفظه فأتى به مجزوما كما تقدم في الاجارة في " باب ما يعطى في الرقية بفاتحة الكتاب " وقال ابن عباس " إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " ثم قال شيخنا: لعل لابن عباس حديثا آخر صريحا في الرقية بفاتحة الكتاب ليس على شرطه فلذلك أتى به بصيغة التمريض.
قلت: ولم يقع لي ذلك بعد التتبع.
وقال ابن القيم: إذا ثبت أن لبعض الكلام خواص ومنافع فما الظن بكلام رب العالمين ثم بالفاتحة التي لم ينزل في القرآن ولا غيره من الكتب مثلها لتضمنها جميع معاني الكتاب، فقد اشتملت على ذكر أصول أسماء الله ومجامعها وإثبات المعاد وذكر التوحيد والافتقار إلى الرب في طلب الاعانة به والهداية منه، وذكر أفضل الدعاء وهو طلب الهداية إلى الصراط المستقيم المتضمن كمال معرفته وتوحيده وعبادته بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه والاستقامة عليه، ولتضمنها ذكر أصناف الخلائق وقسمتهم إلى منعم عليه لمعرفته بالحق والعمل به، ومغضوب عليه لعدوله عن الحق بعد معرفته، وضال لعدم معرفته له، مع ما تضمنته من إثبات القدر والشرع والاسماء والمعاد والتوبة وتزكية النفس وإصلاح القلب والرد على جميع أهل البدع، وحقيق بسورة هذا بعض شأنها أن يستشفى بها من كل داء، والله أعلم.
الحديث:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَوْا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَلَمْ يَقْرُوهُمْ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ لُدِغَ سَيِّدُ أُولَئِكَ فَقَالُوا هَلْ مَعَكُمْ مِنْ دَوَاءٍ أَوْ رَاقٍ فَقَالُوا إِنَّكُمْ لَمْ تَقْرُونَا وَلا نَفْعَلُ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلا فَجَعَلُوا لَهُمْ قَطِيعاً مِنْ الشَّاءِ فَجَعَلَ يَقْرَأُ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَيَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفِلُ فَبَرَأَ فَأَتَوْا بِالشَّاءِ فَقَالُوا لا نَأْخُذُهُ حَتَّى نَسْأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ فَضَحِكَ وَقَالَ وَمَا أَدْرَاكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ خُذُوهَا وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ
الشرح:
حديث أبي سعيد في قصة الذين أتوا على الحي فلم يقروهم، فلدغ سيد الحي فرقاه أبو سعيد بفاتحة الكتاب، وقد تقدم شرحه في كتاب الاجارة مستوفى.

باب الشَّرْطِ فِي الرُّقْيَةِ بِقَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ
الشرح:
قوله: (باب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب) تقدم التنبيه على هذه الترجمة في كتاب الاجارة.
الحديث:
حَدَّثَنِي سِيدَانُ بْنُ مُضَارِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَاهِلِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ الْبَصْرِيُّ هُوَ صَدُوقٌ يُوسُفُ بْنُ يَزِيدَ الْبَرَّاءُ قَالَ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الاخْنَسِ أَبُو مَالِكٍ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرُّوا بِمَاءٍ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ إِنَّ فِي الْمَاءِ رَجُلا لَدِيغاً أَوْ سَلِيماً فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرَأَ فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ فَكَرِهُوا ذَلِكَ وَقَالُوا أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْراً حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَذَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْراً
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْراً كِتَابُ اللَّهِ
الشرح:
قوله: (حدثنا سيدان) بكسر المهملة وسكون التحتانية (ابن مضارب) بضاد معجمة وموحدة آخره (أبو محمد الباهلي) هو بصري قواه أبو حاتم وغيره، وشيخه البراء بفتح الموحدة وتشديد الراء نسب إلى بري العود كان عطارا، وقد ضعفه ابن معين، ووثقه المقدمي.
وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، واتفق الشيخان على التخريج له.
ووقع في نسخة الصغاني " أبو معشر البصري وهو صدوق"، وشيخه عبيد الله بالتصغير ابن الاخنس بخاء معجمة ساكنة ونون مفتوحة هو نخعي كوفي يكنى أبا مالك.
ويقال إنه من موالي الازد، وثقه الائمة، وشذ ابن حبان فقال في الثقات يخطئ كثيرا، وما للثلاثة في البخاري سوى هذا الحديث؛ ولكن لعبيد الله بن الاخنس عنده حديث آخر في كتاب الحج، ولابي معشر آخر في الاشربة.
قوله: (مروا بماء) أي بقوم نزول على ماء.
قوله: (فيهم لديغ) بالغين المعجمة (أو سليم) شك من الراوي، والسليم هو اللديغ سمي بذلك تفاؤلا من السلامة لكون غالب من يلدغ يعطب، وقيل سليم فعيل بمعنى مفعول لانه أسلم للعطب، واستعمال اللدغ في ضرب العقرب مجاز، والاصل أنه الذي يضرب بفيه، والذي يضرب بمؤخره يقال لسع، وبأسنانه نهيس بالمهملة والمعجمة، وبأنفه نكز بنون وكاف وزاي، وبنابه نشط، هذا هو الاصل وقد يستعمل بعضها مكان بعض تجوزا.
قوله: (فعرض لهم رجل من أهل الماء) لم أقف على اسمه.
قوله: (فانطلق رجل منهم) لم أقفه على اسمه، وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في كتاب الاجارة، وبينت فيه أن حديث ابن عباس وحديث أبي سعيد في قصة واحدة وأنها وقعت لهم مع الذي لدغ، وأنه وقعت للصحابة قصة أخرى مع رجل مصاب بعقله فأغنى ذلك عن إعادته هنا.

باب رُقْيَةِ الْعَيْنِ
الشرح:
قوله: (باب رقية العين) أي رقية الذي يصاب بالعين، تقول عنت الرجل أصبته بعينك فهو معين ومعيون ورحل عائن ومعيان وعيون.
والعين نظر باستحسان مشوب بحسد من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر، وقد وقع عند أحمد - من وجه آخر - عن أبي هريرة رفعه " العين حق، ويحضرها الشيطان، وحسد ابن آدم".
وقد أشكل ذلك على بعض الناس فقال: كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون؟ والجواب أن طبائع الناس تختلف، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون، وقد نقل عن بعض من كان معيانا أنه قال: إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني.
ويقرب ذلك بالمرأة الحائض تضع يدها في إناء اللبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد، وكذا تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس من غير أن تمسها يدها، ومن ذلك أن الصحيح قد ينظر إلى العين الرمداء فيرمد، ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو، أشار إلى ذلك ابن بطال.
وقال الخطابي: في الحديث أن للعين تأثيرا في النفوس، وإبطال قول الطبائعيين أنه لا شيء إلا ما تدرك الحواس الخمس وما عدا ذلك لا حقيقة له.
وقال المازري: زعم بعض الطبائعيين أن العائن ينبعث من عينه قوة سمية تتصل بالمعين فيهلك أو يفسد، وهو كإصابة السم من نظر الافاعي.
وأشار إلى منع الحصر في ذلك مع تجويزه.
وأن الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تضر عند نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص لاخر، وهل ثم جواهر خفية أو لا؟ هو أمر محتمل لا يقطع بإثباته ولا نفيه، ومن قال ممن ينتمي إلى الاسلام من أصحاب الطبائع بأن جواهر لطيفة غير مرئية تنبعث من العائن فتتصل أخطأ بدعوى القطع، ولكن جائز أن يكون عادة ليست ضرورة ولا طبيعة ا هـ.
وهو كلام سديد وقد بالغ ابن العربي في إنكاره قال: ذهبت الفلاسفة إلى أن الاصابة بالعين صادرة عن تأثير النفس بقوتها فيه، فأول ما تؤثر في نفسها ثم تؤثر في غيرها.
وقيل: إنما هو سم في عين العائن يصيب بلفحه عند التحديق إليه كما يصيب لفح سم الافعى من يتصل به، ثم رد الاول بأنه لو كان كذلك لما تخلفت الاصابة في كل حال، والواقع خلافه.
والثاني: بأن سم الافعى جزء منها وكلها قاتل، والعائن ليس يقتل منه شيء في قولهم إلا نظره وهو معني خارج عن ذلك، قال: والحق أن الله يخلق عند نظر العائن إليه وإعجابه به إذا شاء ما شاء من ألم أو هلكة، وقد يصرف قبل وقوعه إما بالاستعاذة أو بغيرها، وقد يصرفه بعد وقوعه بالرقبة أو بالاغتسال أو بغير ذلك.ا هـ.

كلامه، وفيه بعض ما يتعقب، فإن الذي مثل بالافعى لم يرد أنها تلامس المصاب حتى يتصل به من سمها، وإنما أراد أن ***ا من الافاعي اشتهر أنها إذا وقع بصرها على الانسان هلك فكذلك العائن وقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حديث أبي لبابه الماضي في بدء الخلق عند ذكر الابتر وذي الطفيتين قال: فإنهما يطمسان البصر ويسقطان الحبل، وليس مراد الخطابي بالتأثير المعنى الذي يذهب إليه الفلاسفة، بل ما أجرى الله به العادة من حصول الضرر للمعيون، وقد أخرج البزار بسند حسن عن جابر رفعه " أكثر من يموت بعد قضاء الله وقدره بالنفس " قال الراوي: يعني بالعين، وقد أجرى الله العادة بوجود كثير من القوي والخواص في الاجسام والارواح كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وكثير من الناس يسقم بمجرد النظر إليه وتضعف قواه، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الارواح من التأثيرات ولشدة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة وإنما التأثير للروح، والارواح مختلفة في طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها: فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية من غير اتصال به لشدة خبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة.

والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسماني، بل يكون تارة به وتارة بالمقابلة، وأخرى بمجرد الرؤية وأخرى بتوجه الروح كالذي يحدث من الادعية والرقى والالتجاء إلى الله، وتارة يقع ذلك بالتوهم والتخيل، فالذي يخرج من عين العائن سهم معنوي إن صادف البدن لا وقاية له أثر فيه، وإلا لم ينفذ السهم، بل ربما رد على صاحبه كالسهم الحسي سواء.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شَدَّادٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ أَمَرَ أَنْ يُسْتَرْقَى مِنْ الْعَيْنِ
الشرح:
قوله: (سفيان) هو الثوري.
قوله: (حدثني معبد بن خالد) هو الجدلي الكوفي تابعي، وشيخه عبد الله بن شداد هو المعروف بابن الهاد له رؤية وأبوه صحابي.
قوله: (عن عائشة) كذا للاكثر.
وكذا لمسلم من طريق مسعر عن معبد بن خالد، ووقع عند الاسماعيلي من طريق عبد الرحمن بن مهدي مثله، لكن شك فيه فقال: " أو قال عن عبد الله بن شداد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة".
قوله: (قالت أمرني النبي صلى الله عليه وسلم، أو أمر أن يسترقى من العين) أي يطلب الرقية ممن يعرف الرقى بسبب العين، كذا وقع بالشك هل قالت " أمر " بغير إضافة أو " أمرني " وقد أخرجه أبو نعيم في مستخرجه عن الطبراني عن معاذ بن المثنى عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه فقال: " أمرني " جزما وكذا أخرجه النسائي والاسماعيلي من طريق أبي نعيم عن سفيان الثوري، ولمسلم من طريق عبد الله بن نمير عن سفيان " كان يأمرني أن أسترقي " وعنده من طريق مسعر عن معبد بن خالد " كان يأمرها " ولابن ماجه من طريق وكيع عن سفيان " أمرها أن تسترقي " وهو للاسماعيلي في رواية عبد الرحمن بن مهدي.
وفي هذا الحديث مشروعية الرقية لمن أصابه العين، وقد أخرج الترمذي وصححه والنسائي من طريق عبيد بن رفاعة " عن أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله إن ولد جعفر تسرع إليهم العين أفأسترقي لهم؟ قال: نعم " الحديث، وله شاهد من حديث جابر أخرجه مسلم قال: " رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لال حزم في الرقية.
وقال لاسماء: ما لي أرى أجسام بني أخي ضارعة؟ أتصيبهم الحاجة؟ قال: لا، ولكن العين تسرع إليهم، قال: ارقيهم، فعرضت عليه فقال: ارقيهم " وقوله: " ضارعة " بمعجمة أوله أي نحيفة، وورد في مداواة المعيون أيضا ما أخرجه أبو داود من رواية الاسود عن عائشة أيضا قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر العائن أن يتوضأ ثم يغتسل منه المعين " وسأذكر كيفية اغتساله في شرح حديث الباب الذي بعد هذا.
الحديث:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عَطِيَّةَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيُّ أَخْبَرَنَا الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ تَابَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ عَنْ الزُّبَيْدِيِّ وَقَالَ عُقَيْلٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الشرح:
قوله: (حدثنا محمد بن خالد) قال الحاكم والجوزقي والكلاباذي وأبو مسعود ومن تبعهم، هو الذهلي نسب إلى جد أبيه فإنه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس، وقد كان أبو داود يروي عن محمد بن يحيى فينسب أباه إلى جد أبيه أيضا فيقول: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، قالوا وقد حدث أبو محمد بن الجارود بحديث الباب عن محمد بن يحيى الذهلي، وهي قرينة في أنه المراد، وقد وقع في رواية الاصيلي هنا " حدثنا محمد بن خالد الذهلي " فانتفى أن يظن أنه محمد بن خالد بن جبلة الرافعي الذي ذكره ابن عدي في شيوخ البخاري، وقد أخرج الاسماعيلي وأبو نعيم أيضا حديث الباب من طريق محمد بن يحيى الذهلي عن محمد بن وهب بن عطية المذكور، وكذا هو في " كتاب الزهريات " جمع الذهلي، وهذا الاسناد مما نزل فيه البخاري في حديث عروة بن الزبير ثلاث درجات، فإنه أخرج في صحيحه حديثا عن عبد الله بن موسى عن هشام بن عروة عن أبيه وهو في العتق فكان بينه وبين عروة رجلان، وهنا بينه وبينه فيه خمسة أنفس، ومحمد بن وهب بن عطية سلمي قد أدركه البخاري وما أدري لقيه أم لا، وهو من أقران الطبقة الوسطى من شيوخه، وما له عنده إلا هذا الحديث، وقد أخرجه مسلم عاليا بالنسبة لرواية البخاري هذه قال: حدثنا أبو الربيع حدثنا محمد بن حرب فذكره، ومحمد بن حرب شيخه خولاني حمصي كان كاتبا للزبيدي شيخه في هذا الحديث وهو ثقة عند الجميع.
(تنبيه) : اجتمع في هدا السند من البخاري إلى الزهري ستة أنفس في نسق كل منهم اسمه محمد، وإذا روينا الصحيح من طريق الفراوي عن الحفص عن الكشميهني عن الفربري كانوا عشرة.
قوله: (رأى في بيتها جارية) لم أقف على اسمها، ووقع في مسلم قال لجارية في بيت أم سلمة.
قوله: (في وجهها سفعة) بفتح المهملة ويجور ضمها وسكون الفاء بعدها عين مهملة وحكى عياض ضم أوله، قال إبراهيم الحربي: هو سواد في الوجه ومنه سفعة الفرس سواد ناصيته، وعن الاصمعي: حمرة يعلوها سواد، وقيل: صفرة، وقيل: سواد مع لون آخر.
وقال ابن قتيبة: لون يخالف لون الوجه، وكلها متقاربة، وحاصلها أن بوجهها موضعا على غير لونه الاصلي، وكأن الاختلاف بحسب اللون الاصلي، فإن كان أحمر فالسفعة سواد صرف، وإن كان أبيض فالسفعة صفرة وإن كان أسمر فلسفعة حمرة يعلوها سواد.
وذكر صاحب " البارع " في اللغة أن السفع سواد الخدين من المرأة الشاحبة، والشحوب بمعجمة ثم مهملة: تغير اللون بهزال أو غيره، ومنه سفعاء الخدين، وتطلق السفعة على العلامة، ومنه بوجهها سفعة غضب.
وهو راجع إلى تغير اللون، وأصل السفع الاخذ بقهر، ومنه قوله تعالى (لنسفعا بالناصية) ويقال أن أصل السفع الاخذ بالناصية ثم استعمل في غيرها، وقيل في تفسيرها: لنعلمنه بعلامة أهل النار من سواد الوجه ونحوه، وقيل: معناه لنذلنه، ممكن رد الجميع إلى معنى واحد فإنه إذا أخذ بناصيته بطريق القهر أذله وأحدث له تغير لونه فظهرت قيه تلك العلامة ومنه قوله في حديث الشفاعة " قوم أصابهم سفع من النار".
قوله: (استرقوا لها) بسكون الراء.
قوله: (فإن بها النظرة) بسكون الظاء المعجمة.
وفي رواية مسلم " فقال إن بها نظرة فاسترقوا لها " يعني بوجهها صفرة، وهدا التفسير ما عرفت قائله إلا أنه يغلب على ظني أنه الزهري، وقد أنكره عياض من حيث اللغة، وتوجيهه ما قدمته واختلف في المراد بالنظرة فقيل: عين من نظر الجن، وقيل من الانس وبه جزم أبو عبيد الهروي، والاولى أنه أعم من ذلك وأنها أصيبت بالعين فلذلك أذن صلى الله عليه وسلم في الاسترقاء لها، وهو دال على مشروعية الرقية من العين على وفق الترجمة.
قوله: (تابعه عبد الله بن سالم) يعني الحمصي، وكنيته أبو يوسف (عن الزبيدي) أي على وصل الحديث.

" وقال عقيل عن الزهري أخبرني عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم " يعني لم يذكر في إسناده زينب ولا أم سلمه، فأما رواية عبد الله بن سالم فوصلها الذهلي في " الزهريات " والطبراني في " مسند الشاميين " من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي عن عمرو بن الحارث الحمصي عن عبد الله بن سالم به سندا ومتنا، وأما رواية عقيل فرواها ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل ولفظه " أن جارية دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت أم سلمة فقال " كأن بها سفعة أو خطرت بنار " هكذا وقع لنا مسموعا في جزء من " فوائد أبي الفضل بن طاهر " بسنده إلى ابن وهب، ورواه الليث عن عقيل أيضا، ووجدته في " مستدرك الحاكم " من حديثه لكن زاد فيه عائشة بعد عروة، وهو وهم فيما أحسب، ووجدته في " جامع ابن وهب " عن يونس عن الزهري قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجارية " فذكر الحديث، واعتمد الشيخان في هذا الحديث على رواية الزبيدي لسلامتها من الاضطراب ولم يلتفتا إلى تقصير يونس فيه، وقد روى الترمذي من طريق الوليد بن مسلم أنه سمع الاوزاعي يفضل الزبيدي على جميع أصحاب الزهري، يعني في الضبط، وذلك أنه كان يلازمه كثيرا حضرا وسفرا، وقد تمسك بهذا من زعم أن العمدة لمن وصل على من أرسل لاتفاق الشيخين على تصحيح الموصول هنا على المرسل، والتحقيق أنهما ليس لهما في تقديم الوصل عمل مطرد بل هو دائر مع القرينة، فمهما ترجح بها اعتمداه، وإلا فكم حديث أعرضا عن تصحيحه للاختلاف في وصله وإرساله، وقد جاء حديث عروة هذا من غير رواية الزهري أخرجه البزار من رواية أبي معاوية عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار عن عروة عن أم سلمة، فسقط من روايته ذكر زينب بنت أم سلمة.
وقال الدار قطني: رواه مالك وابن عيينة وسمي جماعة كلهم عن يحيى بن سعيد فلم يجاوزا به عروة، وتفرد أبو معاوية بذكر أم سلمة فيه ولا يصح، وإنما قال ذلك بالنسبة لهذه الطريق لانفراد الواحد عن العدد الجم، وإذا انضمت هذه الطريق إلى رواية الزبيدي قويت جدا، والله أعلم.

باب الْعَيْنُ حَقٌّ
الشرح:
قوله: (باب العين حق) أي الاصابة بالعين شيء ثابت موجود، أو هو من جملة ما تحقق كونه.
قال المازري: أخذ الجمهور بظاهر الحديث، وأنكره طوائف المبتدعة لغير معنى، لان كل شيء ليس محالا في نفسه ولا يؤدي إلى قلب حقيقة ولا إفساد دليل، فهو من متجاوزات العقول، فإذا أخبر الشرع بوقوعه لم يكن لانكاره معنى، وهل من فرق بين إنكارهم هذا وإنكارهم ما يخبر به من أمور الاخرة.
الحديث:
حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ
الشرح:
قوله: (العين حق، ونهى عن الوشم) لم تظهر المناسبة بين هاتين الجملتين، فكأنهما حديثان مستقلان، ولهذا حذف مسلم وأبو داود الجملة الثانية من روايتهما مع أنهما أخرجاه من رواية عبد الرزاق الذي أخرجه البخاري من جهته، ويحتمل أن يقال: المناسبة بينهما اشتراكهما في أن كلا منهما يحدث في العضو لونا غير لونه الاصلي، والوشم بفتح الواو وسكون المعجمة أن يغرز إبرة أو نحوها في موضع من البدن حتى يسيل الدم ثم يحشى ذلك الموضع بالكحل أو نحوه فيخضر، وسيأتي بيان حكمه في " باب المستوشمة " من أواخر كتاب اللباس إن شاء الله تعالى.
وقد ظهرت لي مناسبة بين هاتين الجملتين لم أر من سبق إليها، وهي أن من جملة الباعث على عمل الوشم تغير صفة الموشوم لئلا تصيبه العين، فنهى عن الوشم مع إثبات العين، وأن التحيل بالوشم وغيره مما لا يستند إلى تعليم الشارع لا يفيد شيئا، وأن الذي قدره الله سيقع وأخرج مسلم من حديث ابن عباس رفعه " العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا " فأما الزيادة الاولى ففيها تأكيد وتنبيه على سرعة نفوذها وتأثيره في الذات، وفيها إشارة إلى الرد على من زعم من المتصوفة أن قوله: " العين حق " يريد به القدر أي العين التي تجري منها الاحكام، فإن عين الشيء حقيقته، والمعني أن الذي يصيب من الضرر بالعادة عند نظر الناظر إنما هو بقدر الله السابق لا بشيء يحدثه الناظر في المنظور.
ووجه الرد أن الحديث ظاهر في المغايرة بين القدر وبين العين، وإن كنا نعتقد أن العين من جملة المقدور، لكن ظاهره إثبات العين التي تصيب إما بما جعل الله تعالى فيها من ذلك وأودعه فيها، وإما بإجراء العادة بحدوث الضرر عند تحديد النظر، وإنما جرى الحديث مجرى المبالغة في إثبات العين لا أنه يمكن أن يرد القدر شيء إذ القدر عبارة عن سابق علم الله، وهو لا راد لامره، أشار إلى ذلك القرطبي.
وحاصله لو فرض أن شيئا له قوة بحيث يسبق القدر لكان العين.
لكنها لا تسبق، فكيف غيرها؟ وقد أخرج البزار من حديث جابر بسند حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أكثر من يموت من أمتي بعد قضاء الله وقدره بالانقس " قال الراوي: يعني بالعين.
وقال النووي: في الحديث إثبات القدر وصحة أمر العين وأنها قوية الضرر، وأما الزيادة الثانية وهي أمر العاين بالاغتسال عند طلب المعيون منه ذلك ففيها إشارة إلى أن الاغتسال لذلك كان معلوما بينهم، فأمرهم أن لا يمتنعوا منه إذا أريد منهم، وأدنى ما في ذلك رفع الوهم الحاصل في ذلك، وظاهر الامر الوجوب.
وحكى المازري فيه خلافا وصحح الوجوب وقال: متى خشي الهلاك وكان اغتسال العائن مما جرت العادة بالشفاء به فإنه يتعين، وقد تقرر أنه يجبر على بذل الطعام للمضطر وهذا أولى، ولم يبين في حديث ابن عباس صفة الاغتسال، وقد وقعت في حديث سهل بن حنيف عند أحمد والنسائي وصححه ابن حبان من طريق الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف " أن أباه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه نحو ماء، حتى إذا كانوا بشعب الخرار من الجحفة اغتسل سهل بن حنيف - وكان أبيض حسن الجسم والجلد - فنظر إليه عامر بن ربيعة فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة، فلبط - أي صرع وزنا ومعنى - سهل.
فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تتهمون به من أحد؟ قالوا.
عامر بن ربيعة.
فدعا عامرا فتغيظ علمه فقال: علام يقتل أحدكم أخاه؟ هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت.
ثم قال: اغتسل له، فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم يصب ذلك الماء عليه رجل من خلقه على رأسه وظهره ثم يكفأ القدح؛ ففعل به ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس " لفظ أحمد من رواية أبي أويس عن الزهري، ولفظ النسائي من رواية ابن أبي ذئب عن الزهري بهذا السند أنه يصب صبة على وجهه بيده اليمنى، وكذلك سائر أعضائه صبة صبة في القدح.
وقال في آخره " ثم يكفأ القدح وراءه على الارض " ووقع في رواية ابن ماجه من طريق ابن عيينة عن الزهري عن أبي أمامة أن عامر بن ربيعة مر بسهل بن حنيف وهو يغتسل، فذكر الحديث وفيه " فليدع بالبركة.
ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين وركبتيه وداخلة إزاره، وأمره أن يصب عليه " قال سفيان قال معمر عن الزهري: " وأمر أن يكفأ الاناء من خلفه " قال المازري: المراد بداخلة الازار الطرف المتدلي الذي يلي حقوه الايمن، قال فظن بعضهم أنه كناية عن الفرج انتهى.
وزاد عياض أن المراد ما يلي جسده من الازار، وقيل: أراد موضع الازار من الجسد، وقيل: أراد وركه لانه معقد الازار.
والحديث في " الموطأ " وفيه عن مالك " حدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل أنه سمع أباه يقول، اغتسل سهل - فذكر نحوه وفيه - فنزع جبة كانت عليه وعامر بن ربيعة ينظر فقال: ما رأيت كاليوم ولا جلد عذراء، فوعك سهل مكانه واشتد وعكه - وفيه - إلا بركت؟ إن العين حق، توضأ له، فتوضأ له عامر فراح سهل ليس به بأس".
(تنبيهات) : الاول: اقتصر النووي في " الاذكار " على قوله: الاستغسال أن يقال للعائن: اغسل داخلة إزارك مما يلي الجلد، فإذا فعل صبه على المنظور إليه.
وهذا يوهم الاقتصار على ذلك، وهو عجيب، ولا سيما وقد نقل في " شرح مسلم " كلام عياض بطوله.
الثاني: قال المازري هذا المعنى مما لا يمكن تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، فلا يرد لكونه لا يعقل معناه.
وقال ابن العربي: إن توقف فيه متشرع قلنا له: قل الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة وصدقته المعاينة.
أو متفلسف فالرد عليه أظهر لان عنده أن الادوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواص.
وقال ابن القيم: هذه الكيفية لا ينتفع بها من أنكرها ولا من سخر منها ولا من شك فيها أو فعلها مجربا غير معتقد، وإذا كان في الطبيعة خواص لا يعرف الاطباء عللها بل هي عندهم خارجة عن القياس وإنما تفعل بالخاصية فما الذي تنكر جهلتهم من الخواص الشرعية؟ هذا مع أن في المعالجة بالاغتسال مناسبة لا تأباها العقول الصحيحة، فهذا ترياق سم الحية يؤخذ من لحمها، وهذا علاج النفس الغضبية توضع اليد على بدن الغضبان فيسكن، فكان أثر تلك العين كشعلة نار وقعت على جسد، ففي الاغتسال إطفاء لتلك الشعلة.
ثم لما كانت هذه الكيفية الخبيثة تظهر في المواضع الرقيقة من الجسد لشدة النفوذ فيها، ولا شيء أرق من المغابن، فكان في غسلها إبطال لعملها، ولا سيما أن للارواح الشيطانية في تلك المواضع اختصاصا.
وفيه أيضا وصول أثر الغسل إلى القلب من أرق المواضع وأسرعها نفاذا، فتنطفئ تلك النار التي أثارتها العين بهذا الماء.
الثالث: هذا الغسل ينفع بعد استحكام النظرة، فأما عند الاصابة وقبل الاستحكام فقد أرشد الشارع إلى ما يدفعه بقوله في قصة مسهل بن حنيف المذكورة كما مضى " ألا بركت عليه " وفي رواية ابن ماجه " فليدع بالبركة " ومثله عند ابن السني من حديث عامر بن ربيعة.
وأخرج البزار وابن السني من حديث أنس رفعه " من رأى شيئا فأعجبه فقال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، لم يضره".
وفي الحديث من الفوائد أيضا أن العائن إذا عرف يقضي عليه بالاغتسال، وأن الاغتسال من النشرة النافعة، وأن العين تكون مع الاعجاب ولو بغير حسد، ولو من الرجل المحب، ومن الرجل الصالح، وأن الذي يعجبه الشيء ينبغي أن يبادر إلى الدعاء للذي يعجبه بالبركة، ويكون ذلك رقية منه، وأن الماء المستعمل طاهر، وفيه جواز الاغتسال بالفضاء، وأن الاصابة بالعين قد تقتل.
وقد اختلف في جريان القصاص بذلك فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، وهو في ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا، انتهى.
ولم يتعرض الشافعية للقصاص في ذلك، بل منعوه وقالوا: إنه لا يقتل غالبا ولا يعد مهلكا.
وقال النووي في " الروضة: ولا دية فيه ولا كفارة.
لان الحكم إنما يترتب على منضبط عام دون ما يختص ببعض الناس في بعض الاحوال مما لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلا، وإنما غايته حسد وتمن لزوال نعمة.
وأيضا فالذي ينشأ عن الاصابة بالعين حصول مكروه لذلك الشخص، ولا يتعين ذلك المكروه في زوال الحياة، فقد يحصل له مكروه بغير ذلك من أثر العين ا هـ.
ولا يعكر على ذلك إلا الحكم بقتل الساحر فإنه في معناه، والفرق بينهما فيه عسر.
ونقل ابن بطال عن بعض أهل العلم فإنه ينبغي للامام منع العائن إذا عرف بذلك من مداخلة الناس وأن يلزم بيته، فإن كان فقيرا رزقه ما يقوم به، فإن ضرره أشد من ضرر المجذوم الذي أمر عمر رضي الله عنه بمنعه من مخالطة الناس كما تقدم واضحا في بابه، وأشد من ضرر الثوم الذي منع الشارع آكله من حضور الجماعة.
قال النووي: وهذا القول صحيح متعين لا يعرف عن غيره تصريح بخلافه.

باب رُقْيَةِ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ
الشرح:
قوله: (باب رقية الحية والعقرب) أي مشروعية ذلك، وأشار بالترجمة إلى ما ورد في بعض طرق حديث الباب على ما سأذكره.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الاسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ الرُّقْيَةِ مِنْ الْحُمَةِ فَقَالَتْ رَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرُّقْيَةَ مِنْ كُلِّ ذِي حُمَةٍ
الشرح:
قوله: (عبد الواحد) هو ابن زياد، وبذلك جزم أبو نعيم حيث أخرج الحديث من طريق محمد بن عبيد بن حسان عنه.
قوله: (سليمان الشيباني) هو أبو إسحاق مشهور بكنيته أكثر من اسمه.
قوله: (رخص) فيه إشارة إلى أن النهي عن الرقى كان متقدما، وقد بينت ذلك في الباب الاول.
قوله: (من كل ذي حمة) بضم المهملة وتخفيف الميم، تقدم بيانها في " باب ذات الجنب " وأن المراد بها ذوات السموم، ووقع في رواية أبي الاحوص عن الشيباني بسنده " رخص في الرقية من الحية والعقرب.

باب رُقْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الشرح:
قوله: (باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم) أي التي كان يرقي بها.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَثَابِتٌ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ ثَابِتٌ يَا أَبَا حَمْزَةَ اشْتَكَيْتُ فَقَالَ أَنَسٌ أَلا أَرْقِيكَ بِرُقْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَلَى قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ مُذْهِبَ الْبَاسِ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لا شَافِيَ إِلا أَنْتَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَماً
الشرح:
قوله: (عبد الوارث) هو ابن سعيد، وعبد العزيز هو ابن صهيب، والاسناد بصريون.
قوله: (فقال ثابت) هو البناني (يا أبا حمزة) هي كنية أنس.
قوله: (اشتكيت) بضم التاء أي مرضت، ووقع في رواية الاسماعيلي " إني اشتكيت".
قوله: (ألا) بتخفيف اللام و " أرقيك " بفتح الهمزة.
قوله: (مذهب الباس) بغير همز للمؤاخاة فإن أصله الهمزة.
قوله: (أنت الشافي) يؤخذ منه جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطين: أحدهما أن لا يكون في ذلك ما يوهم نقصا، والثاني أن يكون له أصل في القرآن وهذا من ذاك، فإن في القرآن " وإذا مرضت فهو يشفين".
قوله: (لا شافي إلا أنت) إشارة إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير الله تعالى وإلا فلا ينجع.
قوله: (شفاء) مصدر منصوب بقوله " اشف " ويجوز الرفع على أنه خبر مبتدأ أي هو.
قوله: (لا يغادر) بالغين المعجمة أي لا يترك، وقد تقدم بيانه والحكمة فيه في أواخر كتاب المرضى، وقوله "سقما " بضم ثم سكون، وبفتحتين أيضاء.
ويؤخذ من هذا الحديث أن الاضافة في الترجمة للفاعل، وقد ورد ما يدل على أنها للمفعول، وذلك فيما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد " أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم.
قال: بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك " وله شاهد عنده بمعناه من حديث عائشة.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَماً قَالَ سُفْيَانُ حَدَّثْتُ بِهِ مَنْصُوراً فَحَدَّثَنِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ
الشرح:
قوله: (يحيى) هو القطان، وسفيان هو الثوري، وسليمان هو الاعمش ومسلم هو أبو الضحى مشهور بكنيته أكثر من اسمه، وجوز الكرماني أن يكون مسلم بن عمران لكونه يروي عن مسروق ويروي الاعمش عنه، وهو تجويز عقلي محض يمجه سمع المحدث، على أنني لم أر لمسلم بن عمران البطين رواية عن مسروق وإن كانت ممكنة، وهذا الحديث إنما هو من رواية الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق، وقد أخرجه مسلم من رواية جرير عن الاعمش عن أبي الضحى عن مسروق به، ثم أخرجه من رواية هشيم ومن رواية شعبة ومن رواية يحيى القطان عن الثوري كلهم عن الاعمش قال بإسناد جرير، فوضح أن مسلما المذكور في رواية البخاري هو أبو الضحى، فإنه أخرجه من رواية يحيى القطان، وغايته أن بعض الرواة عن يحيى سماه وبعضهم كناه والله أعلم.
قوله: (كان يعوذ بعض أهله) لم أقف على تعيينه.
قوله: (يمسح بيده اليمني) أي على الوجع قال الطبري: هو على طريق التفاؤل لزوال ذلك، الوجع.
قوله: (واشفه وأنت الشافي) في رواية الكشميهني بحذف الواو، والضمير في اشفه للعليل، أو هي هاء السكت.
قوله: (لا شفاء) بالمد مبني على الفتح والخبر محذوف والتقدير لنا أو له.
قوله: (إلا شفاؤك) بالرفع على أنه بدل من موضع لا شفاء.
قوله: (قال سفيان) هو موصول بالاسناد المذكور.
قوله: (حدثت به منصورا) هو ابن المعتمر، وصار بذلك في هذا الحديث إلى مسروق طريقان، وإذا ضم الطريق الذي بعده إليه صار إلى عائشة طريقان، وإذا ضم إلى حديث أنس صار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه طريقان.
قوله: (نحوه) تقدم سياقه في أواخر كتاب المرضى مع بيان الاختلاف على الاعمش ومنصور في الواسطة بينهما وبين مسروق، ومن أفرد ومن جمع وتحرير ذلك واضحا.
الحديث:
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ ابْنُ أَبِي رَجَاءٍ حَدَّثَنَا النَّضْرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْقِي يَقُولُ امْسَحْ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ بِيَدِكَ الشِّفَاءُ لا كَاشِفَ لَهُ إِلا أَنْتَ
الشرح:
(النضر) هو ابن شميل.
قوله: (كان يرقي) بكسر القاف، وهو بمعنى قوله في الرواية التي قبلها " كان يعوذ " ولعل هذا هو السر أيضا في إيراد طريق عروة وإن كان سياق مسروق أتم، لكن عروة صرح بكون ذلك رقية فيوافق حديث أنس في أنها رقية النبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (امسح) هو بمعنى قوله في الرواية الاخرى " أذهب " والمراد الازالة.
قوله: (بيدك الشفاء لا كاشف له) أي للمرض (إلا أنت) وهو بمعنى قوله.
" اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت".
الحديث:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا
الشرح:
قوله: (سفيان) هو ابن عيينة كما صرح به في الطريق الثانية، وقدم الاولى لتصريح سفيان بالتحديث، وصدقة شيخه في الثانية هو ابن الفضل المروزي.
الحديث:
حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الرُّقْيَةِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا وَرِيقَةُ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا
الشرح:
قوله: (عبد ربه بن سعيد) هو الانصاري أخو يحيى بن سعيد، هو ثقة، ويحيى أشهر منه وأكثر حديثا.
قوله: (كان يقول للمريض بسم الله) في رواية صدقة " كان يقول في الرقية " وفي رواية مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان زيادة في أوله ولفظه " كان إذا اشتكى الانسان أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا - ووضع سفيان سبابته بالارض ثم رفعها - بسم الله".
قوله: (تربة أرضنا) خبر مبتدأ محذوف أي هذه تربة، وقوله "بريقة بعضنا " يدل على أنه كان يتفل عند الرقية، قال النووي: معنى الحديث أنه أخذ من ريق نفسه على إصبعه السبابة ثم وضعها على التراب فعلق به شيء منه ثم مسح به الموضع العليل أو الجريح قائلا الكلام المذكور في حالة المسح، قال القرطبي: فيه دلالة على جواز الرقى من كل الالام، وأن ذلك كأن أمرا فاشيا معلوما بينهم، قال: ووضع النبي صلى الله عليه وسلم سبابته بالارض ووضعها عليه يدل على استحباب ذلك عند الرقية.
ثم قال: وزعم بعض علمائنا أن السر فيه أن تراب الارض لبرودته ويبسه يبرئ الموضع الذي به الالم ويمنع انصباب المواد إليه ليبسه مع منفعته في تجفيف الجراح واندمالها.
قال وقال في الريق: إنه يختص بالتحليل والانضاج وإبراء الجرح والورم لا سيما من الصائم الجائع، وتعقبه القرطبي أن ذلك إنما يتم إذا وقعت المعالجة على قوانينها من مراعاة مقدار التراب والريق وملازمة ذلك في أوقاته، وإلا فالنفث ووضع السبابة على الارض إنما يتعلق بها ما ليس له بال ولا أثر، وإنما هذا من باب التبرك بأسماء الله تعالى وآثار رسوله، وأما وضع الاصبع بالارض فلعله لخاصية في ذلك، أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الاسباب المعتادة.
وقال البيضاوي: قد شهدت المباحث الطبية على أن للريق مدخلا في النضج وتعديل المزاج، وتراب الوطن له تأثير في حفظ المزاج ودفع الضرر، فقد ذكروا أنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه إن عجز عن استصحاب مائها، حتى إذا ورد المياه المختلفة جعل شيئا منه في سقائه ليأمن مضرة ذلك.
ثم أن الرقى والعزائم لها آثار عجيبة تتقاعد العقول عن الوصول إلى كنهها.
وقال التوربشتي: كأن المراد بالتربة الاشارة إلى قطرة آدم، والريقة الاشارة إلى النطفة، كأنه تضرع بلسان الحال أنك اخترعت الاصل من التراب ثم أبدعته مته من ماء مهين فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته.
وقال النووي: قيل المراد بأرضنا أرض المدينة خاصة لبركتها، وبعضنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لشرف ريقه، فيكون ذلك مخصوصا.
وفيه نظر.
قوله: (يشفى سقيمنا) ضبط بالوجهين بضم أوله على البناء للمجهول، وسقيمنا بالرفع وبفتح أوله على أن الفاعل مقدر، وسقيمنا بالنصب على المفعولية.
(تنبيه) : أخرج أبو داود والنسائي ما يفسر به الشخص المرقى، وذلك في حديث عائشة " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على ثابت بن قيس بن شماس وهو مريض فقال: اكشف الباس، رب الناس.
ثم أخذ من بطحان فجعله في قدح، ثم نفث عليه، ثم صبه عليه".

باب النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ
الشرح:
قوله: (باب النفث) بفتح النون وسكون الفاء بعدها مثلثة (في الرقية) .
في هذه الترجمة إشارة إلى الرد على من كره النفث مطلقا - كالاسود بن يزيد أحد التابعين - تمسكا بقوله تعالى (ومن شر النفاثات في العقد) ، وعلى من كره النفث عند قراءة القرآن خاصة كإبراهيم النخعي، أخرج ذلك ابن أبي شيبة وغيره، فأما الاسود فلا حجة له في ذلك لان المذموم ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذم النفث مطلقا، ولا سيما بعد ثبوته في الاحاديث الصحيحة، وأما النخعي فالحجة عليه ما ثبت في حديث أبي سعيد الخدري ثالث أحاديث الباب، فقد قصوا على النبي صلى الله عليه وسلم القصة وفيها أنه قرأ بفاتحة الكتاب وتفل ولم ينكر ذلك صلى الله عليه وسلم فكان ذلك حجة، وكذا الحديث الثاني فهو واضح من قوله صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم بيان النفث مرارا، أو من قال إنه لا ريق فيه وتصويب أن فيه ريقا خفيفا.
الحديث:
حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئاً يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَيَتَعَوَّذْ مِنْ شَرِّهَا فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَإِنْ كُنْتُ لارَى الرُّؤْيَا أَثْقَلَ عَلَيَّ مِنْ الْجَبَلِ فَمَا هُوَ إِلا أَنْ سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ فَمَا أُبَالِيهَا
الشرح:
قوله: (سليمان) هو ابن بلال، ويحيى بن سعيد هو الانصاري، والاسناد كله مدنيون.
قوله: (الرؤيا من الله) يأتي شرحه مستوفى في كتاب التعبير إن شاء الله تعالى.
وقوله "فلينفث " هو المراد من الحديث المذكور في هذه الترجمة لانه دل على جدواها.
قوله: (وقال أبو سلمة) هو موصول بالاسناد المذكور وقوله " فإن كنت " في رواية الكشميهني بدون الفاء، وقوله "أثقل علي من الجبل " أي لما كان يتوقع من شرها.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الاوَيْسِيُّ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعاً ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ قَالَ يُونُسُ كُنْتُ أَرَى ابْنَ شِهَابٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ إِذَا أَتَى إِلَى فِرَاشِهِ
الشرح:
قوله: (سليمان) هو ابن بلال أيضا، ويونس هو ابن يزيد.
قوله: (إذا أوى إلى فراشه نفث في كفه بقل هو الله أحد وبالمعوذتين) أي يقرؤها وينفث حالة القراءة، وقد تقدم بيان ذلك في الوفاة النبوية.
قوله: (ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده) في رواية المفضل بن فضالة عن عقيل " ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات".
قوله: (فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به) وهذا مما تفرد به سليمان بن بلال عن يونس، وقد تقدم في الوفاة النبوية من رواية عبد الله بن المبارك عن يونس بلفظ " فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه طفقت أنفث عليه " وأخرجه مسلم من رواية ابن وهب عن يونس فلم يذكرها.
قوله: (قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أوى إلى فراشه) وقع نحو ذلك في رواية عقيل عن ابن شهاب عند عبد بن حميد، وفيه إشارة إلى الرد على من زعم أن هذه الرواية شاذة، وأن المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك إذا اشتكى كما في رواية مالك وغيره، فدلت هذه الزيادة على أنه كان يفعل ذلك إذا أوى إلى فراشه، وكان يفعله إذا اشتكى شيئا من جسده، فلا منافاة بين الروايتين.
وقد تقدم في فضائل القرآن قول من قال إنهما حديثان عن الزهري بسند واحد.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ أَبِي الْمُتَوَكِّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَهْطاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْطَلَقُوا فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتَّى نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْحَيِّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ قَدْ نَزَلُوا بِكُمْ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ فَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاللَّهِ إِنِّي لَرَاقٍ وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَقَدْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ فَجَعَلَ يَتْفُلُ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ حَتَّى لَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي مَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اقْسِمُوا فَقَالَ الَّذِي رَقَى لا تَفْعَلُوا حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ
الشرح:
حديث أبي سعيد في قصة اللديغ الذي رقاه بفاتحة الكتاب، وتقدم شرحه مستوفى في كتاب الاجارة، وتقدمت الاشارة إليه قريبا.
ووقع في هذه الرواية " فجعل يتفل ويقرأ " وقد قدمت أن النفث دون التفل، وإذا جاز التفل جاز النفث بطريق الاولى.
وفيها " ما به قلب " بفتح اللام بعدها موحدة.
أي ما به ألم يقلب لاجله على الفراش، وقيل أصله من القلاب بضم القاف وهو داء يأخذ البعير فيمسك على قلبه فيموت من يومه.

باب مَسْحِ الرَّاقِي الْوَجَعَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى
الشرح:
قوله: (باب مسح الراقي الوجع بيده اليمنى) ذكر فيه حديث عائشة في ذلك وقد تقدم شرحه قريبا، والقائل " فذكرته لمنصور " هو سفيان الثوري كما تقدم التصريح به في " باب رقية النبي صلى الله عليه وسلم".

باب فِي الْمَرْأَةِ تَرْقِي الرَّجُلَ
الشرح:
قوله: (باب المرأة ترقي الرجل) ذكر فيه حديث عائشة، وفيه قولها " كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه " وقد تقدم قبل بباب من رواية يونس عن ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك، وزاد في رواية معمر هنا كيفية ذلك فقال " ينفث على يديه، ثم يمسح بهما وجهه".

باب مَنْ لَمْ يَرْقِ
الشرح:
قوله: (باب من لم يرق) هو بفتح أوله وكسر القاف مبنيا للفاعل، وبضم أوله وفتح القاف مبنيا للمفعول.
الحديث:
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ تميز عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خبير عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْماً فَقَالَ عُرِضَتْ عَلَيَّ الامَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلانِ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّهْطُ وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ وَرَأَيْتُ سَوَاداً كَثِيراً سَدَّ الافُقَ فَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ أُمَّتِي فَقِيلَ هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ ثُمَّ قِيلَ لِي انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَاداً كَثِيراً سَدَّ الافُقَ فَقِيلَ لِي انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا فَرَأَيْتُ سَوَاداً كَثِيراً سَدَّ الافُقَ فَقِيلَ هَؤُلاءِ أُمَّتُكَ وَمَعَ هَؤُلاءِ سَبْعُونَ أَلْفاً يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَتَفَرَّقَ النَّاسُ وَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمْ فَتَذَاكَرَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا أَمَّا نَحْنُ فَوُلِدْنَا فِي الشِّرْكِ وَلَكِنَّا آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَكِنْ هَؤُلاءِ هُمْ أَبْنَاؤُنَا فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ هُمْ الَّذِينَ لا يَتَطَيَّرُونَ وَلا يَسْتَرْقُونَ وَلا يَكْتَوُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ أَمِنْهُمْ أَنَا فَقَالَ سَبَقَكَ بِهَا عُكَاشَةُ
الشرح:
قوله: (حصين بن نمير) بنون مصغر هو الواسطي، ما له في البخاري سوى هذا الحديث، وقد تقدم بهذا الاسناد في أحاديث الانبياء لكن باختصار، وتقدم الحديث بعينه من وجه آخر عن حصين بن عبد الرحمن في " باب من اكتوى " وذكرت من زاد في أوله قصة وأن شرحه سيأتي في كتاب الرقاق، والغرض منه هنا قوله " هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون " فأما الطيرة فسيأتي ذكرها بعد هذا، وأما الكي فتقدم ذكرها فيه هناك، وأما الرقية فتمسك بهذا الحديث من كره الرقى والكي من بين سائر الادوية وزعم أنهما قادحان في التوكل دون غيرهما، وأجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: أحدها قاله الطبري والمازري وطائفة أنه محمول على من جانب اعتقاد الطبائعيين في أن الادوية تنفع بطبعها كما كان أهل الجاهلية يعتقدون.
وقال غيره: الرقى التي يحمد تركها ما كان من كلام الجاهلية وما الذي لا يعقل معناه لاحتمال أن يكون كفرا، بخلاف الرقى بالذكر ونحوه.
وتعقبه عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الادوية تؤثر بطبعها أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها فليس مسلما فلم يسلم هذا الجواب.
ثانيها قال الداودي وطائفة إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، وقد قدمت هذا عن ابن قتيبة وغيره في " باب من اكتوى"، وهذا اختيار ابن عبد البر، غير أنه معترض بما قدمته من ثبوت الاستعاذة قبل وقوع الداء.
ثالثها قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الاسباب المعدة لدفع العوارض، فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه، فهم غافلون عن طب الاطباء ورقى الرقاة ولا يحسنون من ذلك شيئا، والله أعلم.
رابعها أن المراد بترك الرقى والكي الاعتماد على الله في دفع الداء والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك لثبوت وقوعه في الاحاديث الصحيحة وعن السلف الصالح لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الاسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه.
قال ابن الاثير: هذا من صفة الاولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواص الاولياء.
ولا يرد على هذا وقوع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فعلا وأمرا، لانه كان في أعلى مقامات العرفان ودرجات التوكل فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله، لانه كان كامل التوكل يقينا فلا يؤثر فيه تعاطي الاسباب شيئا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن من ترك الاسباب وفوض وأخلص في ذلك كان أرفع مقاما.
قال الطبري: قيل لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء البتة حتى السبع الضاري والعدو العادي، ولا من لم يسع في طلب رزق ولا في مداواة ألم، والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض لم يقدح في توكله تعاطيه الاسباب اتباعا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الاكل والشرب، وادخر لاهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك.
وقال الذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: " اعقلها وتوكل " فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل، والله أعلم.

باب الطِّيَرَةِ
الشرح:
قوله (باب الطيرة) بكسر المهملة وفتح التحتانية وقد تسكن، هي التشاؤم بالشين، وهو مصدر تطير مثل تحير حيرة.
قال بعض أهل اللغة لم يجيء من المصادر هكذا غير هاتين، وتعقب بأنه سمع طيبة، وأورد بعضهم التولة وفيه نظر، وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير فإذا خرج أحدهم لامر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشرع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه السانح بمهملة ثم نون ثم حاء مهملة، والبارح بموحدة وآخره مهملة، بالسانح ما ولاك ميامنه بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس.
وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح، لانه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له، إذ لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معنى فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهل من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويتمدح بتركه، قال شاعر منهم: ولقد غدوت وكنت لا أغدو على واق وحاتم فإذا الاشائم كالايامن والايامن كالاشائم وقال آخر: الزجر والطير والكهان كلهم مضللون ودون الغيب أقفال وقال آخر: وما عاجلات الطير تدني من الفتى نجاحا، ولا عن ريثهن قصور وقال آخر: لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرت الطير ما الله صانع وقال آخر: تخير طيرة فيها زياد لتخبره، وما فيها خبير تعلم أنه لا طير إلا على متطير، وهو الثبور بلى شيء يوافق بعض شيء أحايينا، وباطله كثير وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك ويصح معهم غالبا لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين.
وقد أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أنس رفعه " لا طيرة، والطيرة على من تطير " وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد.
فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تحقق " وهذا مرسل أو معضل، لكن له شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي في " الشعب " وأخرج ابن عدي بسند لين عن أبي هريرة رفعه " إذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا " وأخرج الطبراني عن أبي الدرداء رفعه " لن ينال الدرجات العلا من تكهن، أو استقسم، أو رجع من سفر تطيرا " ورجاله ثقات، إلا أنني أظن أن فيه انقطاعا وله شاهد عن عمران بن حصين وأخرجه البزار في أثناء حديث بسند جيد.
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه هو وابن حبان عن ابن مسعود رفعه " الطيرة شرك، وما منا إلا تطير، ولكن الله يذهبه بالتوكل " وقوله " وما منا إلا " من كلام ابن مسعود أدرج في الخبر، وقد بينه سليمان بن حرب شيخ البخاري فيما حكاه الترمذي عن البخاري عنه، وإنما جعل ذلك شركا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعا أو يدفع ضرا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى، وقوله "ولكن الله يذهبه بالتوكل " إشارة إلى أن من وقع له فسلم لله ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك.
وأخرج البيهقي في " الشعب " من حديث عبد الله بن عمرو موقوفا " من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك".
الحديث:
حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَالشُّؤْمُ فِي ثَلاثٍ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ
الشرح:
قوله: (لا عدوى، ولا طيرة، والشؤم في ثلاث) قد تقدم شرح هذا الحديث وبيان اختلاف الرواة في سياقه في كتاب الجهاد، والتطير والتشاؤم بمعني واحد، فنفى أولا بطريق العموم كما نفى العدوى، ثم اثبت الشؤم في الثلاثة المذكورة، وقد ذكرت ما قيل في ذلك هناك.
وقد وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود بلفظ " وإن كانت الطيرة في شيء " الحديث.
الحديث:
حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ
الشرح:
قوله (لا طيرة، وخيرها الفأل) يأتي شرحه في الباب الذي بعده، وكأنه أشار بذلك إلى أن النفي في الطيرة على ظاهره لكن في الشر، ويستثنى من ذلك ما يقع فيه من الخير كما سأذكره.

باب الْفَأْلِ
الشرح:
قوله: (باب الفأل) بفاء ثم همزة وقد تسهل، والجمع فئول بالهمزة جزما.
الحديث:
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ أَخْبَرَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ قَالَ وَمَا الْفَأْلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ
الشرح:
قوله: (عن عبيد الله بن عبد الله) أي ابن عتبة بن مسعود، وقد صرح في رواية شعيب التي قبل هذه فيه بالاخبار.
قوله: (قال وما الفأل) ؟ كذا للاكثر بالافراد، وللكشميهني " قالوا " كرواية شعيب.
قوله: (الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم) وقال في حديث أنس ثاني حديثي الباب " ويعجبني الفأل الصالح، الكلمة الحسنة".
وفي حديث عروة بن عامر الذي أخرجه أبو داود قال " ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: خيرها الفأل، ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله " وقوله " وخيرها الفأل " قال الكرماني تبعا لغيره: هذه الاضافة تشعر بأن الفأل من جملة الطيرة، وليس كذلك بل هي إضافة توضيح، ثم قال: وأيضا فإن من جملة الطيرة كما تقدم تقريره التيامن، فبين بهذا الحديث أنه ليس كل التيامن مردودا كالتشاؤم، بل بعض التيامن مقبول.
قلت: وفي جواب الاول دفع في صدر السؤال، وفي الثاني تسليم السؤال ودعوى التخصيص وهو أقرب وقد أخرج ابن ماجه بسند حسن عن أبي هريرة رفعه " كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة " وأخرج الترمذي من حديث حابس التميمي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول " العين حق، وأصدق الطيرة الفأل " ففي هذا التصريح أن الفأل من جملة الطيرة لكنه مستثنى.
وقال الطيبي: الضمير المؤنث في قوله " وخيرها " راجع إلى الطيرة، وقد علم أن الطيرة كلها لا خير فيها، فهو كقوله تعالى (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا) وهو مبني على زعمهم، وهو من إرخاء العنان في المخادعة بأن يجري الكلام على زعم الخصم حتى لا يشمئز عن التفكر فيه، فإذا تفكر فأنصف من نفسه قبل الحق، فقوله " خيرها الفأل " إطماع للسامع في الاستماع والقبول، لا أن في الطيرة خيرا حقيقة، أو هو من نحو قولهم " الصيف أحر من الشتاء " أي الفأل في بابه أبلغ من الطيرة في بابها.
والحاصل أن أفعل التفضيل في ذلك إنما هو بين القدر المشترك بين الشيئين، والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه، والفأل في ذلك أبلغ.
قال الخطابي: وإنما كان ذلك لان مصدر الفأل عن نطق وبيان، فكأنه خبر جاء عن غيب، بخلاف غيره فإنه مستند إلى حركة الطائر أو نطقه وليس فيه بيان أصلا، وإنما هو تكلف ممن يتعاطاه.
وقد أخرج الطبري عن عكرمة قال: كنت عند ابن عباس فمر طائر فصاح، فقال رجل: خير خير، فقال ابن عباس: ما عند هذا لا خير ولا شر.
وقال أيضا الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء فلذلك كرهت.
وقال النووي: الفأل يستعمل فيما يسوء وفيما يسر، وأكثره في السرور.
والطيرة لا تكون إلا في الشؤم، وقد تستعمل مجازا في السرور ا ه.
وكأن ذلك بحسب الواقع، وأما الشرع فخص الطيرة بما يسوء والفأل بما يسر، ومن شرطه أن لا يقصد إليه فيصير من الطيرة.
قال ابن بطال: جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة والانس بها كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الانيق والماء الصافي وإن كان لا يملكه ولا يشربه.
وأخرج الترمذي وصححه من حديث أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: يا نجيح يا راشد " وأخرج أبو داود بسند حسن عن بريدة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملا يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه رؤي كراهة ذلك في وجهه " وذكر البيهقي في " الشعب " عن الحليمي ما ملخصه: كان التطير في الجاهلية في العرب إزعاج الطير عند إرادة الخروج للحاجة، فذكر نحو ما تقدم ثم قال.
وهكذا كانوا يتطيرون بصوت الغراب وبمرور الظباء فسموا الكل تطيرا، لان أصله الاول.
وقال.
وكان التشاؤم في العجم إذا رأى الصبي ذاهبا إلى المعلم تشاءم أو راجعا تيمن، وكذا إذا رأى الجمل موقرا حملا تشاؤم فإن رآه واضعا حمله تيمن، ونحو ذلك، فجاء الشرع برفع ذلك كله.
وقال "من تكهن أورده عن سفر تطير فليس منا " ونحو ذلك من الاحاديث.
وذلك إذا اعتقد أن الذي يشاهده من حال الطير موجبا ما ظنه ولم يضف التدبير إلى الله تعالى، فأما إن علم أن الله هو المدبر ولكنه اشفق من الشر لان التجارب قضت بأن صوتا من أصواتها معلوما أو حالا من أحوالها معلومة يردفها مكروه فإن وطن نفسه على ذلك أساء، وإن سأل الله الخير واستعاذ به من الشر ومضى متوكلا لم يضره ما وجد في نفسه من ذلك، وإلا فيؤاخذ به، وربما وقع به ذلك المكروه بعينه الذي اعتقده عقوبة له كما كان يقع كثيرا لاهل الجاهلية.
والله أعلم.
قال الحليمي: وإنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل لان التشاؤم سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال.
وقال الطيبي: معنى الترخص في الفأل والمنع من الطيرة هو أن الشخص لو رأى شيئا فظنه حسنا محرضا على طلب حاجته فليفعل ذلك.
وإن رآه بضد ذلك فلا يقبله بل يمضي لسبيله.
فلو قبل وانتهى عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن تستعمل في الشؤم.
والله أعلم.

باب لا هَامَةَ
الشرح:
قوله (باب لا هامة) كذا للجميع، وذكر فيه حديث أبي هريرة " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر " ثم ترجم بعد سبعة أبواب " باب لا هامة " وذكر فيه الحديث المذكور مطولا وليس فيه " ولا طيرة " وهذا من توارد ما اتفق له أن يترجم للحديث في موضعين بلفظ واحد، وسأذكر شرح الهامة في الموضع الثاني إن شاء الله تعالى، ثم ظهر لي أنه أشار بتكرار هذه الترجمة إلى الخلاف في تفسير الهامة كما سيأتي بيانه.




رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الباري, البخاري, الطب, صحيح, شرح, فتح, كِتَاب


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع: فتح الباري شرح صحيح البخاري كِتَاب الطب _ 1 _
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
احاديث مختاره من صحيح البخاري كـيـلـوا 11 المنتدى الاسلامى العام 1 2018-04-19 12:42 PM
حصريا... صحيح البخاري ومسلم... لا بل ايضا تفسير القرطبي والسعدي ايضا... للجيل الثالث القناص برامج الموبايلات 6 2018-04-19 12:42 PM
طريقة عمل الأرز البخاري بالدجاج M00N مطبخ الإسرة 2 2009-04-15 11:07 AM


الساعة الآن 09:49 AM



هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي منتديات كورابيكا ولا نتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك

Security team